أعلنت الهيئة الوطنية للانتخابات في إثيوبيا فوز حزب الازدهار الحاكم بـ438 مقعدًا من أصل 486 مقعدًا، في انتخابات شارك فيها نحو 40 مليون ناخب، لتثبيت هيمنة آبي أحمد وفتح ولاية جديدة أكثر صلابة.
وبينما تروج أديس أبابا للفوز بوصفه تفويضًا شعبيًا، يبدو أن قائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي أمام خصم سياسي أكثر تحررًا من الضغط الداخلي، وأقل استعدادًا لتقديم تنازلات في ملف سد النهضة، حيث يتحول التصويت الإثيوبي إلى ضغط على الأمن المائي المصري.
اكتساح انتخابي تحت ظلال الأمن
وبحسب النتائج الرسمية، لم يكن حزب الازدهار بحاجة إلا إلى 274 مقعدًا لضمان الأغلبية البرلمانية، لكنه انتزع 438 مقعدًا، محققًا نحو 90% من المقاعد، في تكرار قريب من هيمنته السابقة في انتخابات 2021.
كما جرت الانتخابات في 501 دائرة من أصل 547، بينما حالت المحاذير الأمنية دون فتح 143 مركز اقتراع في أوروميا وأمهرة، وغاب إقليم تيغراي الشمالي عن التصويت بسبب تداعيات الحرب والانقسام السياسي.
ولزيادة دلالة المشهد، بلغ عدد الناخبين المسجلين 54 مليونًا، وشارك نحو 40 مليونًا في التصويت، داخل بلد يقترب سكانه من 130 مليون نسمة، ما يمنح النظام رقمًا انتخابيًا كبيرًا يستخدمه داخليًا وخارجيًا.
لذلك لا يمكن قراءة الفوز باعتباره منافسة طبيعية فقط، إذ واجه الحزب الحاكم معارضة ممزقة تضم أكثر من 40 حزبًا، يعاني معظمها ضعف التمويل والتنظيم، بينما فاز الازدهار في 64 دائرة دون أي منافسة.
ومن ثم يصبح البرلمان الجديد، المتوقع انعقاده في أكتوبر، أقرب إلى غرفة تصديق سياسي على استمرار آبي أحمد لولاية أخرى مدتها 5 سنوات، لا ساحة توازن حقيقي بين السلطة والمعارضة.
غير أن هذا التفويض العددي لا يمحو أسئلة الشرعية السياسية، لأن الانتخابات جرت وسط اضطرابات أمنية ومناطق مستبعدة، ومعارضة ضعيفة، وبيئة أمنية تجعل رقم الـ90% عنوانًا للهيمنة لا بالضرورة للرضا الوطني الواسع.
علاوة على ذلك، ربطت تقارير دولية الفوز باستمرار مسار مركزة السلطة داخل إثيوبيا، حيث يمنح التفوق البرلماني حزب الازدهار قدرة أكبر على تمرير السياسات الاقتصادية والأمنية، وتقييد هامش الاعتراض داخل المؤسسات.
بناءً على ذلك، يدخل آبي أحمد مرحلة جديدة من الحكم بلا معارضة برلمانية فعالة، وهو ما ينعكس مباشرة على ملفات الإقليم، من صراعات أوروميا وأمهرة وتيغراي، إلى النزاع الأكثر حساسية مع مصر حول النيل.
سد النهضة بعد التفويض الجديد
في ملف سد النهضة، يمثل الفوز الساحق نقطة قوة تفاوضية لأديس أبابا، لأنه يسمح لآبي أحمد بتقديم نفسه زعيمًا مفوضًا شعبيًا لاستكمال مشروع قومي، لا رئيس حكومة مضطر لمراعاة توازنات داخلية ضاغطة.
كما أن سد النهضة لم يعد مجرد منشأة كهرباء في الخطاب الإثيوبي، بل تحول إلى رمز سيادي، ومن ثم فإن أي تنازل بشأن قواعد الملء والتشغيل قد يُصور داخليًا كتنازل عن إنجاز وطني.
ولذلك تخشى القاهرة أن يتحول التفويض البرلماني إلى تصلب أكبر في المفاوضات، خصوصًا أن مصر والسودان طالبتا مرارًا باتفاق قانوني ملزم ينظم التشغيل، بينما تمسكت إثيوبيا بإدارة المشروع وفق رؤيتها السيادية.
ثم إن افتتاح سد النهضة عام 2025، بقدرة معلنة تقارب 5150 ميجاوات وسعة تخزينية تصل إلى 74 مليار متر مكعب، جعل النزاع ينتقل من مرحلة البناء والملء إلى مرحلة التشغيل طويل المدى.
غير أن التشغيل هو بيت الخطر الحقيقي بالنسبة لمصر، لأن سنوات الفيضان العالي قد تخفي الأزمة مؤقتًا، بينما تظهر الكلفة في سنوات الجفاف والجفاف الممتد، عندما يصبح قرار التخزين أو التصريف مسألة حياة.
علاوة على ذلك، يرى الدكتور عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، أن غياب الاتفاق الملزم يترك دولتي المصب تحت رحمة التشغيل المنفرد، ويزيد الحاجة إلى تبادل البيانات والضمانات الفنية.
كما شدد وزير الري الأسبق محمد نصر علام على أن الحل المستدام لا يزال في اتفاق قانوني وفني ملزم، بما يعني أن المشكلة ليست في وجود السد وحده، بل في غياب قواعد محاسبة واضحة.
وفي خلفية هذه التحذيرات، كان الخبير الراحل هاني رسلان يرى أن إثيوبيا تستخدم السد لبناء قوة سياسية إقليمية، لا لتوليد الكهرباء فقط، وهي قراءة تفسر تمسك أديس أبابا بالسد كأداة نفوذ.
مصر بين ضغط النيل وحسابات الإقليم
وبالتالي، فإن فوز آبي أحمد لا يخص الداخل الإثيوبي وحده، بل يضاعف الضغط على صانع القرار المصري، لأن الطرف المقابل بات أكثر رسوخًا، وأقل حاجة إلى تقديم تنازلات سريعة أمام القاهرة أو الخرطوم.
كما أن القاهرة تواجه معضلة مركبة؛ فهي لا تستطيع تجاهل التفويض الإثيوبي، ولا تستطيع القبول بتشغيل أحادي طويل المدى، في وقت يتزايد فيه الطلب الداخلي على المياه والزراعة والغذاء والطاقة.
ولزيادة التعقيد، تأتي الانتخابات وسط توترات إثيوبية داخلية في أوروميا وأمهرة وتيغراي، وهي مناطق يمكن أن تدفع آبي أحمد إلى استخدام ملف النيل والسد كخطاب تعبئة وطني يصرف الأنظار عن الأزمات.
لذلك قد يصبح سد النهضة أكثر حضورًا في الخطاب السياسي الإثيوبي خلال الولاية المقبلة، باعتباره مشروعًا يوحد جمهور الحزب الحاكم، ويمنح السلطة قصة نجاح مريحة أمام صعوبات الأمن والمعارضة وتكلفة الإصلاح الاقتصادي.
ومن ناحية أخرى، فإن المعارضة الإثيوبية الممزقة لا تبدو قادرة على فرض مراجعة جدية لسياسات السد أو العلاقات مع مصر، خاصة مع غياب المنافسة في عشرات الدوائر وفوز الحزب الحاكم بأغلبية كاسحة.
غير أن قوة آبي أحمد الداخلية قد تكون سلاحًا ذا حدين، فهي تمنحه قدرة على التنازل إذا أراد، لكنها في الواقع قد تغريه بمواصلة سياسة الأمر الواقع دون خشية من كلفة برلمانية.
وعليه، فإن القاهرة تحتاج إلى تحرك أكثر صرامة وتنظيمًا، يجمع بين المسار القانوني والدبلوماسي والإقليمي، بدل انتظار جولات تفاوضية تُستأنف ثم تتعطل، بينما يرسخ الطرف الإثيوبي وقائع جديدة على النيل.
وفي النهاية، تكشف انتخابات إثيوبيا أن أزمة سد النهضة تدخل فصلًا أكثر صعوبة، فآبي أحمد الخارج من انتخابات الـ90% ليس أضعف في التفاوض، بل أقوى، ومصر أمام اختبار حماية النيل بلا أوهام.

