يدرس المجلس الأعلى للجامعات، عبر اللجنة التنسيقية لكليات القطاع الصحي، خفض قبول طلاب تنسيق 2026-2027 بنسبة 10% في الطب و20% بالأسنان والصيدلة والعلاج الطبيعي، بزعم التكدس، رغم عجز طبي يضرب المستشفيات.

 

وبينما ينتظر المرضى طبيبًا في طوابير المستشفيات الحكومية، تختار الدولة علاج الأزمة من بوابة تقليل الطلاب لا إصلاح بيئة العمل، كأن المشكلة في أعداد الحالمين بالطب لا في منظومة تطرد الأطباء.

 

 

خفض القبول أم إخفاء العجز

 

وبحسب المقترح المتداول داخل المجلس الأعلى للجامعات، تقبل الجامعات الحكومية 60% من إجمالي المقبولين بكليات الطب والأسنان والصيدلة والعلاج الطبيعي، على أن تذهب 40% الباقية إلى الجامعات الأهلية والخاصة.

 

كما يأتي المقترح مع توقعات بالموافقة عليه وتطبيقه، بعد سنوات توسعت فيها الدولة في قبول الطلاب وفتح الكليات، دون توسيع موازٍ في المستشفيات الجامعية أو أماكن التدريب الإكلينيكي أو هيئة التدريس.

 

ولذلك يبدو القرار محاولة متأخرة لإطفاء حريق صنعته سياسات التوسع الكمي، فالدولة التي فتحت الباب لأعداد ضخمة في القطاع الصحي تعود الآن لتغلقه جزئيًا بعدما انفجرت أزمة التدريب وسوق العمل.

 

ثم إن زاوية الأزمة الأهم تكمن في التناقض الفاضح بين الحديث عن تكدس الخريجين وبين العجز الشديد في الأطباء داخل المستشفيات الحكومية، حيث لا يعني كثرة الخريجين توفر طبيب مدرب ومستقر فعليًا.

 

غير أن بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أظهرت انخفاض إجمالي عدد الأطباء البشريين إلى 120.4 ألف طبيب عام 2024 مقابل 122.4 ألف عام 2023، بانخفاض نسبته 1.7%.

 

علاوة على ذلك، حذرت نقابة الأطباء سابقًا من استمرار عزوف الأطباء عن العمل الحكومي وتزايد سعيهم للهجرة، وكشفت عن استقالة أكثر من 11 ألف طبيب من القطاع الحكومي منذ 2019.

 

بناءً على ذلك، فإن خفض القبول وحده لا يحل العجز، بل قد يضاعف الأزمة مستقبلًا إذا لم يرافقه إصلاح حقيقي للأجور، وساعات العمل، والحماية القانونية، والتدريب، وعدالة توزيع الأطباء بين المحافظات.

 

 

توسع عشوائي بلا مستشفيات جامعية

 

وفي قلب الأزمة، قال الدكتور أشرف حاتم، رئيس لجنة القطاع الطبي بالمجلس الأعلى للجامعات، إن تطوير القطاع الصحي يقوم على 3 مسارات: البكالوريوس، والتدريب الإلزامي، والتدريب المشترط للحصول على تصريح مزاولة المهنة.

 

كما أوصى حاتم ولجان القطاعات بإعادة النظر في أعداد القبول بكليات الأسنان والصيدلة والعلاج الطبيعي، والعمل على ضبطها وتخفيضها، مع زيادة القبول في التخصصات التي يحتاجها سوق العمل محليًا وإقليميًا.

 

ولزيادة وضوح الصورة، يرى الدكتور جمال عميرة، أستاذ الجراحة بالمعهد القومي للأورام، أن بعض كليات الطب بلا مستشفيات جامعية ترسل طلابها لكليات حكومية لاكتساب التدريب العملي مقابل رسوم مالية.

 

لذلك تصبح المشكلة أكبر من رقم التنسيق، لأن طبيبًا بلا تدريب إكلينيكي كافٍ هو خطر على نفسه والمرضى، والتعليم الطبي لا يبنى بالمحاضرات وحدها، بل بسرير مستشفى ومريض وأستاذ وفرصة ممارسة.

 

ومن ثم، فإن السماح بإنشاء كليات طبية بلا مستشفيات جامعية مجهزة يكشف سوقًا تعليمية توسعت قبل أن تكتمل شروطها، ثم ألقت عبء التدريب على مستشفيات حكومية مثقلة أصلًا بالمرضى والفقر.

 

غير أن تكلفة إنشاء مستشفى جامعي مجهز طبيًا وإداريًا، وفق تقديرات عميرة، لا تقل عن مليار جنيه، فضلًا عن الحاجة إلى كوادر وطواقم متخصصة في عشرات التخصصات الطبية المختلفة.

 

علاوة على ذلك، كشفت أزمة أطباء الامتياز بمستشفى الشاطبي العبث نفسه، بعدما أثار منعهم من دخول غرف العمليات جدلًا واسعًا، وتدخلت نقابة الأطباء لتحذر من تكدس يفوق طاقة المؤسسات التدريبية.

 

وبحسب النقابة، فإن تخريج آلاف الأطباء سنويًا دون توفير فرص تدريب حقيقية ومقاعد كافية لاستكمال التأهيل يمثل إهدارًا للموارد، وإضرارًا بمستقبل الخريجين، وجريمة في حق المرضى والطلاب وأسرهم.

 

 

سوق العمل لا يحتاج أرقامًا بل أطباء باقين

 

وفي هذا السياق، قال الدكتور أسامة عبد الحي، نقيب الأطباء، إن المستشفيات الحكومية تحصل على مقابل مادي من الجامعات الخاصة لتدريب الطلاب، محذرًا من التوسع دون مستشفيات أو أماكن تدريب كافية.

 

كما طالبت نقابة الأطباء بوقف إنشاء كليات طب جديدة فورًا، وتطبيق القانون على الكليات التي لم تنشئ مستشفيات جامعية، ووقف قبول طلاب جدد بها في العام الدراسي المقبل.

 

ولذلك لا تبدو الأزمة في أن مصر تخرج أطباء كثيرين، بل في أنها لا تعرف كيف تحتفظ بهم، ولا كيف تدربهم جيدًا، ولا كيف توزعهم بعدالة على المستشفيات التي تعاني نقصًا يوميًا.

 

ثم إن تقليل القبول مع استمرار هجرة الأطباء يعني تضييق المنبع دون علاج النزيف، فكل طبيب يغادر القطاع الحكومي يترك مكانًا شاغرًا في مستشفى عام، ويفتح طابور انتظار أطول أمام المرضى.

 

غير أن الحكومة تفضل غالبًا الحلول السهلة: رقم أقل في التنسيق، قرار إداري، واجتماعات لجان، بدل مواجهة الأسئلة الثقيلة حول الأجور الهزيلة، والاعتداءات على الأطباء، ونقص المستلزمات، وانهيار التدريب.

 

ومن ناحية أخرى، فإن توزيع 40% من المقبولين على الجامعات الأهلية والخاصة يفتح سؤال العدالة، فهل يتحول التعليم الطبي إلى مسار طبقي، بينما تتحمل المستشفيات الحكومية تدريب الجميع فوق طاقتها.

 

كما أن الحديث عن تكدس الصيدلة والأسنان والعلاج الطبيعي يحتاج خريطة سوق عمل حقيقية، لا انطباعات عامة، لأن دولة بلا تخطيط صحي دقيق ستظل تنتقل من تخمة تخصص إلى عجز تخصص آخر.

 

وفي النهاية، تكشف أزمة تنسيق كليات الصحة أن مصر لا تعاني فقط من عدد طلاب كبير، بل من إدارة صغيرة للعقل الصحي، تخلط بين تقليل القبول وإصلاح المنظومة، وبين التكدس الظاهري والعجز الحقيقي.