أعلنت عائلات فلسطينية في قطاع غزة، بينها الديري والحداد وشحيبر وأبو معروف، رفضها القاطع للمشاركة أو دعم ما يعرف بـحراك 26 يونيو، محذرة من جر القطاع إلى الفوضى في لحظة حرب وتجويع وانهيار إنساني غير مسبوق.
ويأتي هذا الرفض في وقت تحاول فيه جهات مرتبطة بالرواية الإسرائيلية استثمار الجوع والغضب والدمار لفتح شرخ داخلي داخل غزة، بحيث يتحول الألم الشعبي المشروع إلى أداة سياسية تخدم الاحتلال بدل محاصرته ومحاسبته.
رفض عائلي واسع لحراك يهدد السلم الأهلي
لم تصدر بيانات العائلات بوصفها موقفا عابرا أو رد فعل محدودا، بل جاءت متزامنة وحاسمة في عباراتها، مؤكدة التمسك بوحدة الصف الفلسطيني والسلم الأهلي وحماية النسيج المجتمعي في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها القطاع.
وشددت عائلات الديري والحداد وشحيبر وأبو معروف، في الوطن والشتات، على رفضها المطلق للانخراط في الحراك أو الترويج له بأي شكل، داعية أبناءها وبناتها إلى عدم التجاوب مع فعالياته أو المشاركة فيه.
كما أعلنت هذه العائلات نأيها الكامل عن أي مسيرات أو فعاليات ميدانية أو حملات رقمية مرتبطة بالحراك عبر منصات التواصل الاجتماعي، في رسالة واضحة لمن يحاول استخدام أسماء العائلات غطاء اجتماعيا لتحركات مثيرة للريبة.
وتبرز أهمية هذه البيانات من كون العائلة في غزة ليست مجرد إطار اجتماعي، بل ركيزة من ركائز الصمود اليومي، ورافعة لحماية السلم الأهلي عندما تضغط الحرب والحصار والجوع على أعصاب المجتمع المنهك.
لذلك بدا موقف العائلات محاولة استباقية لإغلاق الباب أمام أي توظيف سياسي للأسماء والأنساب، خصوصا بعدما حذرت من بيانات مفبركة أو منشورات تصدر باسمها دون تفويض رسمي وموثق من أعيانها.
وتؤكد عائلة أبو معروف في خان يونس أن أي مشاركة فردية خارج هذا الإجماع تبقى مسؤولية شخصية لا تعبر عن الموقف الجماعي، وهو تفصيل يكشف حرصا على منع التلاعب بالمواقف العائلية أو تضخيمها.
ومن هنا، لا يمكن قراءة الرفض باعتباره انحيازا تنظيميا فقط، بل باعتباره موقفا اجتماعيا دفاعيا ضد الفوضى، وضد تحويل الغضب الناتج عن الحرب والحصار إلى صدام داخلي يستنزف ما تبقى من تماسك غزة.
الاحتلال يستثمر الجوع لتفجير الداخل
تكتسب الدعوات إلى حراك 26 يونيو حساسيتها من توقيتها ومناخها، إذ تأتي بينما يعيش سكان غزة كارثة إنسانية مفتوحة، بين الجوع والنزوح والدمار، وتراجع الخدمات، وانتشار المرض، وانسداد الأفق السياسي والمعيشي.
وفي مثل هذه اللحظات، يصبح أي خطاب احتجاجي غير محصن وطنيا قابلا للاختراق، لأن الاحتلال لا يحتاج دائما إلى دبابة جديدة كي يفتت المجتمع، بل يكفيه أن يدفع الغاضبين إلى مواجهة بعضهم.
وتشير الاتهامات المتداولة حول دعم حسابات إسرائيلية للحراك، بينها حسابات مرتبطة بجيش الاحتلال وصفحات ناطقة بالعربية، إلى مخاوف فلسطينية جدية من محاولة تحويل الوجع الشعبي إلى منصة لضرب الجبهة الداخلية.
غير أن خطورة الأمر لا تتعلق فقط بمن دعا أو روج، بل بمن يستفيد سياسيا من النتيجة، فكل مشهد فوضى داخل غزة يمنح الاحتلال مادة دعائية ليقول إن المجتمع ينهار من داخله.
كما أن التركيز الإسرائيلي المتكرر على تفكيك الحاضنة الاجتماعية للمقاومة ليس جديدا، بل هو جزء من حرب نفسية طويلة، تتعامل مع المجتمع الفلسطيني بوصفه ساحة قتال لا تقل أهمية عن الميدان العسكري.
ولذلك فإن بيانات العائلات جاءت بلغة تحذيرية واضحة، حين ربطت رفضها للحراك بحماية السلم الأهلي ووحدة الجبهة الداخلية، ورفض كل ما من شأنه تهديد التماسك الاجتماعي الفلسطيني في هذه المرحلة الدقيقة.
ولا يعني ذلك إنكار معاناة الناس أو مصادرة غضبهم، فالجوع حقيقي، والنزوح حقيقي، والانهيار اليومي حقيقي، لكن السؤال الحاسم هو: هل يتحول الغضب إلى ضغط على الاحتلال، أم إلى سكين في جسد غزة.
ومن ثم يصبح الفرق واضحا بين احتجاج وطني يطالب برفع الحصار ووقف الحرب وإدخال المساعدات، وبين حراك يشتبه الفلسطينيون في أن الاحتلال يباركه لأنه يفتح باب الاقتتال والفوضى والاتهامات المتبادلة.
وحدة المجتمع قبل حسابات المنصات
دعت العائلات مكونات المجتمع الفلسطيني إلى تحكيم لغة العقل والضمير الوطني، والعمل على حماية السلم المجتمعي، ورفض صيغ التحريض والفتنة والدعوات التي تستهدف زعزعة الاستقرار الداخلي في قطاع غزة.
كما شددت على أهمية تضافر الجهود بين العشائر والقوى الوطنية ورجال الإصلاح لتوفير الحماية للمجتمع والنسيج الأهلي، وهي دعوة تعكس إدراكا بأن الأمن الاجتماعي لا تصنعه الفصائل وحدها، بل المجتمع كله.
وفي ختام مواقفها، جددت العائلات مطالبتها للمجتمع الدولي والجهات المعنية بالتحرك الفوري لرفع الحصار عن قطاع غزة، وتحسين الأوضاع الإنسانية، وتسريع إعادة الإعمار، بما يخفف من وطأة المعاناة الراهنة.
وتكشف هذه المطالب أن الرفض العائلي للحراك لا يعني تجاهل الأزمة، بل يعني إعادة توجيه البوصلة نحو السبب الأصلي للمأساة: الاحتلال والحصار والعدوان، لا نحو معارك داخلية تستنزف الضحية وتريح الجلاد.
كذلك فإن التمسك بالسلم الأهلي في غزة اليوم ليس ترفا أخلاقيا، بل ضرورة بقاء، لأن المجتمع الذي نجا من القصف والتجويع لا يجوز أن يسقط في فخ التفكيك الداخلي تحت ضغط الحسابات المشبوهة.
ومن الناحية السياسية، تمثل بيانات العائلات رسالة إلى الوسطاء والقوى الدولية بأن غزة ليست كتلة رخوة قابلة للتمزيق، وأن أهلها رغم الجوع والوجع يميزون بين المطالب الإنسانية المشروعة وبين الفتنة المنظمة.
غير أن المسؤولية لا تقف عند العائلات وحدها، فالمطلوب فلسطينيا هو خطاب جامع يعترف بآلام الناس، ويدير الغضب بشفافية، ويغلق الطريق أمام من يحاول ركوب المعاناة لصالح أجندات الاحتلال.
وفي المحصلة، يبدو حراك 26 يونيو أمام اختبار الشرعية الاجتماعية قبل أي شيء، فإذا كانت العائلات التي يراد التحرك باسمها ترفضه، وتحذر من نتائجه، فإن الإصرار عليه يصبح مغامرة خطرة داخل مجتمع جريح.
وتبقى غزة، وهي تواجه الحرب والجوع والحصار، بحاجة إلى كل صوت يرفع مطلب النجاة لا مطلب الفوضى، وكل يد تضم الصف لا تشقه، وكل موقف يحمي الدم الفلسطيني من أن يستخدمه الاحتلال مرة أخرى.

