أنهى نادي قضاة مصر استعداداته لانتخابات التجديد الكلي، المقررة غدًا الجمعة 26 يونيو 2026، لاختيار رئيس النادي و16 عضوًا بمجلس الإدارة، وسط منافسة 64 مرشحًا وحشد انتخابي يستهدف نحو 15 ألف قاض وعضو نيابة عامة.
وبينما تبدو الانتخابات سباقًا مهنيًا حول الرعاية الصحية والإسكان والخدمات، فإنها تجري فوق أرض سياسية وقانونية مشحونة، حيث يظل سؤال استقلال القضاء حاضرًا خلف السرادقات والصناديق والبرامج، لا مجرد شعار انتخابي مكرر.
سباق الرئاسة بين 3 مستشارين
وبحسب القائمة النهائية، ينحصر الصراع على مقعد رئيس نادي القضاة بين 3 مستشارين من رؤساء محاكم الاستئناف، هم ربيع قاسم، ومحمد رفعت جبر، ومحمد عبد الرحمن الذهبي، بعد غلق باب التنازلات والطعون.
كما يتنافس 61 مرشحًا آخرين على 16 مقعدًا بمجلس الإدارة، موزعة بين 5 مقاعد للمستشارين، و5 لرؤساء المحاكم والقضاة، و5 لأعضاء النيابة العامة، ومقعد واحد للمستشارين المتقاعدين.
ولزيادة ضبط العملية الانتخابية، شملت استعدادات النادي إعداد سرادق الاقتراع، وتأمين الصناديق، وتدقيق الكشوف النهائية للمرشحين والناخبين، في انتخابات يترقبها الوسط القضائي باعتبارها تجديدًا كاملًا لمجلس إدارة النادي.
لذلك تكثف القوائم المتنافسة جولاتها الأخيرة داخل المحاكم ومقار النيابات، لاستقطاب أصوات الجمعية العمومية التي تضم قرابة 15 ألف قاض وعضو نيابة، وسط توقعات بمشاركة واسعة تحسم شكل المجلس الجديد.
ومن ثم، لا تقف المنافسة عند أسماء المرشحين الثلاثة للرئاسة، بل تمتد إلى صراع أوسع بين أجيال وتيارات مهنية، بعضها يرفع شعار الاستقرار والخدمات، وبعضها يحاول استعادة حضور النادي كمساحة تعبير قضائي.
غير أن انتخابات نادي القضاة لا تشبه انتخابات نقابية عادية، لأن النادي يمثل تاريخيًا واحدة من المساحات القليلة التي عبّر فيها القضاة عن قضاياهم المهنية، وأحيانًا عن رفضهم لتدخل السلطة التنفيذية.
علاوة على ذلك، تضم قائمة المتقاعدين 5 مرشحين على مقعد واحد، بينهم أشرف عيسى، وجابر عبد الحميد، وجمال القيسوني، وسعد مجاهد، وعاصم عبد الحميد، بما يجعل هذا المقعد محدودًا لكنه شديد التنافس.
بناءً على ذلك، تبدو الانتخابات مركبة؛ فهي من ناحية اختبار للخدمات المهنية، ومن ناحية أخرى قياس لمدى قدرة النادي على استعادة دوره في الدفاع عن استقلال القضاء لا الاكتفاء بإدارة ملفات الرعاية.
خريطة المرشحين وتوازنات المجلس
وفي فئة المستشارين، يخوض 26 مرشحًا المنافسة على 5 مقاعد فقط، بينهم أسماء من محاكم الاستئناف والنقض، ما يجعل هذه الفئة الأكثر ازدحامًا والأكثر دلالة على حجم الصراع داخل الكتلة العليا.
كما تشمل هذه القائمة أسماء مثل أحمد عبد الراضي ثابت، وأحمد فتحي جنيدي، وطارق أبو زيد، ومحمود مرغني صادق، وياسر دعبس، وياسر عثمان، إلى جانب مرشحين آخرين يمثلون دوائر مختلفة داخل القضاء.
ولذلك، فإن كثافة الترشح في مقاعد المستشارين تعني أن المجلس المقبل لن يتشكل بسهولة، وأن التحالفات الانتخابية والتصويت الكتلي قد يكونان أكثر تأثيرًا من البرامج المكتوبة وحدها.
ثم تضم فئة رؤساء المحاكم والقضاة 16 مرشحًا يتنافسون على 5 مقاعد، بينهم إبراهيم المنشاوي، وأحمد الحفني، وأحمد سلامة، وإسلام المصيلحي، وطاهر سعد، وعبد العزيز العجيمي، ومحمد قنصوه، ومحمود زيدان.
غير أن هذه الفئة تمثل قلب الجهاز القضائي اليومي، لأنها الأقرب إلى ضغط العمل داخل المحاكم، وتكدس القضايا، وملفات الترقيات، واحتياجات التدريب، ولذلك تتحول مطالبها إلى مؤشر على حال العدالة نفسها.
علاوة على ذلك، يتنافس 14 مرشحًا من أعضاء النيابة العامة على 5 مقاعد، بينهم رؤساء نيابة، ووكلاء نيابة، ومحامون عامون، ما يمنح الكتلة الشابة نسبيًا حضورًا مهمًا داخل الانتخابات.
كما أن مقاعد النيابة ليست تفصيلًا هامشيًا، لأن أعضاء النيابة يمثلون بوابة العدالة الجنائية، ويواجهون ضغوط العمل والتحقيقات والانتقالات، بينما ينتظرون من النادي دفاعًا حقيقيًا عن مصالحهم وترقياتهم وبيئة عملهم.
وفي هذا السياق، تركز البرامج الانتخابية على الرعاية الصحية، ومنظومة الإسكان، والدفاع عن المصالح المهنية، وهي ملفات مشروعة، لكنها تظل ناقصة إذا انفصلت عن سؤال أكبر حول استقلال المؤسسة القضائية.
استقلال القضاء بين الشعار والاختبار
وبينما يرفع المرشحون مطالب خدمية، يظل بيان سابق لرئيس نادي القضاة حاضرًا في الخلفية، حين أكد رفض أي تدخل أو تغول على السلطة القضائية والتمسك باستقلالها الكامل غير القابل للمساومة. .
كما يرى المحامي الحقوقي ناصر أمين أن استقلال القضاء ليس مطلبًا خاصًا بالقضاة وحدهم، بل قضية تخص المجتمع كله، لأن العدالة المستقلة هي ضمانة المواطن قبل أن تكون امتيازًا مهنيًا للقاضي. .
ولزيادة عمق الصورة، يؤكد الفقيه الدستوري محمد نور فرحات أن وصاية السلطة التنفيذية على القضاء من أبرز عقبات الاستقلال، وهي قراءة تجعل انتخابات النادي اختبارًا لموقعه بين المطلب المهني والهم العام. .
لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس من يفوز برئاسة النادي فقط، بل ماذا سيفعل المجلس المقبل عندما يصطدم ملف الخدمات بملف الاستقلال، وحين تتحول الترقيات والتعيينات والتدريب إلى ساحات شد وجذب مؤسسي.
ومن ثم يستدعي المشهد تجربة المستشار زكريا عبد العزيز، الذي ارتبط اسمه بتيار استقلال القضاء داخل نادي القضاة، ودعا القضاة إلى التمسك باستقلالهم، قبل أن يتحول لاحقًا إلى عنوان لصدام سياسي وقضائي. .
غير أن النادي اليوم يتحرك في مناخ مختلف تمامًا، فالمجال العام أضيق، والخطاب الرسمي أكثر حساسية تجاه أي اعتراض مؤسسي، ولذلك قد يصبح الدفاع عن الاستقلال أصعب من الفوز بمقعد انتخابي.
كما أن الجدل السابق حول تدخل السلطة التنفيذية في شؤون القضاء والنيابة لم يكن جديدًا، فقد اعتبر قضاة سابقًا أن مشروعات حكومية تهدد الحصانة وتمنح وزير العدل سيطرة على شؤون القضاء. .
وبالتالي، فإن انتخابات 26 يونيو لا يمكن فصلها عن تراكم طويل من الصراع حول من يدير شؤون القضاة: هل يظل القرار داخل البيت القضائي، أم تتوسع يد السلطة التنفيذية تحت عناوين التنظيم والحوكمة.
وفي النهاية، تمثل انتخابات نادي القضاة معركة صغيرة داخل معركة أكبر؛ 64 مرشحًا و15 ألف صوت و17 مقعدًا، لكن جوهرها الحقيقي هو هل يبقى النادي بيتًا للقضاة، أم مجرد واجهة خدماتية صامتة.

