كشفت أزمة الدواجن في مصر خلال يونيو 2026 عن خسائر تتراوح بين 10% و15% لمربي الدواجن الحية، وأكثر من 30% لمنتجي البيض، مع هبوط الكرتونة بالمزرعة إلى 60 و65 جنيهاً.
وفي بلد يئن من غلاء الطعام ثم يصطدم فجأة بانهيار المنتجين، تبدو الحكومة غائبة عن أخطر معادلة غذائية، فلا هي تحمي المربي من الخسارة، ولا تطمئن المواطن بشفافية تكشف حقيقة الهرمونات.
كما أن الجدل حول حملات ضبط هرمونات ومحفزات نمو داخل بعض المزارع وضع الصناعة كلها تحت الشك، لأن الثقة لا تُبنى بالنفي الشفهي، بل بإعلان نتائج الفحوص والرقابة على الملأ.
سوق يخسر ومستهلك خائف
لذلك عاد ملف الدواجن إلى الواجهة من بوابتين خطيرتين، الأولى خسائر المنتجين نتيجة هبوط الأسعار، والثانية خوف المواطنين من تداول حديث واسع عن هرمونات ومواد محفزة للنمو داخل بعض المزارع.
ومن ثم لم تعد الأزمة مجرد انخفاض سعر يفرح المستهلك مؤقتاً، لأن استمرار البيع بالخسارة قد يطرد صغار المربين من السوق، ثم تعود الأسعار للارتفاع بعد انهيار المعروض.
غير أن خسائر البيض تبدو أكثر حدة، بعدما تحدث منتجون عن وصول سعر الكرتونة في المزرعة إلى 60 و65 جنيهاً، وهي مستويات لا تغطي تكلفة الإنتاج في حالات كثيرة.
علاوة على ذلك، حذر عبد العزيز السيد، رئيس شعبة الدواجن باتحاد الغرف التجارية، من أن استمرار انخفاض الأسعار عن الحد الطبيعي يهدد المنظومة ويدفع مربين للخروج من السوق.
بناءً على ذلك، فإن الحكومة تتعامل مع سوق الدواجن كأنه يصحح نفسه وحده، بينما الحقيقة أن تذبذب الأسعار بين الغلاء والانهيار يكشف غياب آلية عادلة تحمي المنتج والمستهلك معاً.
في المقابل، قال عبد العزيز السيد إن السعر العادل للمربي لا يقل عن 75 جنيهاً للمستهلك، معتبراً أن تراجع الأسعار مرتبط بانخفاض الطلب وزيادة المعروض ووفرة الإنتاج.
كذلك فإن انخفاض السعر لا يعني استقراراً غذائياً، لأن السوق الذي يربح فيه الوسيط ويخسر المنتج ويتشكك فيه المستهلك، يتحول إلى فوضى مؤجلة لا إلى وفرة حقيقية.
ومن هنا تصبح خسائر المربين مقدمة لأزمة أكبر، لأن الدواجن ليست سلعة جانبية، بل بروتين المصريين الأرخص نسبياً، وأي ضربة في هذا القطاع تصل مباشرة إلى موائد الفقراء.
هرمونات أم فشل رقابي
لزيادة القلق، جاءت حملات الحديث عن هرمونات الدواجن في توقيت ينهار فيه السعر، ما جعل الشائعة أو المخالفة المحتملة تضرب الصناعة مرتين، في جيب المربي وثقة المستهلك.
ومن ناحية علمية، نفت الدكتورة نسرين سليم، أستاذة تغذية الدواجن بمعهد بحوث الإنتاج الداجني، رواية النمو بالهرمونات، مؤكدة أن سرعة النمو مرتبطة بالسلالات الحديثة والتغذية والرعاية.
فضلاً عن ذلك، أوضحت سليم أن طاقة الطائر تذهب أولاً لحفظ الحياة ثم المناعة ثم الإنتاج، وأن أي خلل بيئي مثل انخفاض الحرارة يضرب النمو قبل أي حديث عن محفزات.
ثم شدد ثروت الزيني، نائب رئيس اتحاد منتجي الدواجن، على أن شائعات الهرمونات لا تستند إلى أساس علمي أو اقتصادي، وأنها تتكرر منذ سنوات بلا دليل موثق.
على الجانب الآخر، لا يكفي نفي الخبراء لطمأنة الناس، لأن المواطن لا يملك معملاً في بيته، ولا يستطيع التمييز بين الشائعة والمخالفة إلا عبر دولة تعلن نتائج الرقابة بشفافية.
في هذا السياق، تقدم النائب محمد عبد الله زين الدين بطلب إحاطة للحكومة حول ما يتداول عن استخدام هرمونات ومواد محفزة للنمو، مطالباً بتكثيف الرقابة على المزارع.
وبينما طلب زين الدين معرفة نتائج الحملات الرقابية والفحوص المعملية للأعلاف والأدوية البيطرية، فإن مجرد طرح هذه الأسئلة يفضح فجوة المعلومات التي تركت الناس فريسة للذعر.
إضافة إلى ذلك، قال سامح السيد، رئيس شعبة الدواجن بالجيزة، إن الدواجن المصرية آمنة ولا تدخل في صناعتها هرمونات أو منشطات، لكنه طالب بتفعيل القانون المنظم للصناعة.
الأمن الغذائي لا يدار بالنفي
وعليه، فإن القضية ليست إثبات الهرمونات أو نفيها فقط، بل كيف تُدار صناعة غذائية تمس ملايين المصريين بلا شفافية كافية في الفحوص والأسعار وسلاسل التداول.
في المقابل، تحدثت تقارير عن استعداد زين الدين لسحب طلب الإحاطة إذا جاء الرد الرسمي مطمئناً، لكنه أكد أن ما يعنيه هو سلامة المواطن وصحته قبل أي اعتبار.
كما أن رئيس شعبة الدواجن أشار إلى أهمية تفعيل القانون رقم 70 لسنة 2009 لتنظيم تداول الدواجن، بما يحمي المستهلك من الطريقة العشوائية في المحال.
لذلك يبدو غياب التنظيم العملي أخطر من الشائعة نفسها، لأن السوق العشوائي يخلق مساحات للذبح غير المنضبط، والتداول غير المراقب، والوسيط المتحكم، والمنتج الذي يخسر وحده.
ومن ثم يحتاج القطاع إلى إعلان دوري لنتائج فحص الأعلاف والأدوية والمنتجات الداجنة، لا بيانات عامة تنفي وتطمئن ثم تترك مواقع التواصل تعيد إنتاج الخوف بعد أيام.
غير أن الحكومة لا تزال تتأخر عن الأزمة، فتظهر بعد انتشار الذعر أو انهيار الأسعار، بدلاً من بناء نظام معلومات يسبق الشائعة ويحاصر المخالفة ويحمي صغار المربين.
إلى جانب ذلك، فإن الحديث عن تصدير الدواجن أو منافسة البرازيل لا يقنع المواطن القلق، إذا لم ير رقابة يومية معلنة، وأسعاراً عادلة، ومجازر منظمة، ومحاسبة حقيقية للمخالفين.
في النهاية، تكشف أزمة الدواجن أن الأمن الغذائي لا ينهار فجأة، بل يتآكل حين يخسر المنتج، ويخاف المستهلك، وتكتفي الدولة بدور المتفرج بين شائعة قاتلة وسوق بلا حماية.
وبناءً على ذلك، فإن إنقاذ الصناعة لا يبدأ بتوبيخ الناس على خوفهم، بل بإعلان الحقيقة كاملة، ونشر الفحوص، وتنظيم التداول، وحماية المربين من خسائر تدفع مصر لاحقاً إلى غلاء أعنف.

