دخلت بوليفيا واحدة من أكثر مراحلها السياسية والأمنية حساسية خلال السنوات الأخيرة، بعدما أعلن الرئيس رودريغو باز فرض حالة الطوارئ في جميع أنحاء البلاد لمدة 90 يوماً، في خطوة استثنائية تهدف إلى إنهاء موجة احتجاجات واسعة النطاق وشلل اقتصادي مستمر منذ نحو خمسين يوماً، وسط تصاعد المخاوف من انزلاق البلاد نحو مزيد من الاضطرابات.
ويأتي القرار في وقت تشهد فيه الدولة الواقعة في قلب أمريكا الجنوبية أزمة اقتصادية خانقة، ترافقت مع احتجاجات متواصلة وقطع للطرق الرئيسية من قبل مجموعات نقابية وفلاحية ويسارية، الأمر الذي تسبب في تعطيل حركة النقل وإمدادات الوقود والمواد الغذائية والأدوية، وألقى بظلاله على الحياة اليومية لملايين المواطنين.
الطوارئ بعد أسابيع من الشلل
وأعلن الرئيس رودريغو باز، مساء السبت، فرض حالة الطوارئ على مستوى البلاد لمدة ثلاثة أشهر، مؤكداً أن حكومته استنفدت جميع محاولات الحوار مع المحتجين قبل اللجوء إلى هذا الإجراء الاستثنائي.
وقال باز إن السلطات توصلت إلى تفاهمات مع بعض الجهات التي وصف مطالبها بالمشروعة، لكنها في المقابل حددت أطرافاً استخدمت العنف بهدف زعزعة استقرار البلاد، ما دفع الحكومة إلى التحرك لحماية الاقتصاد وإعادة فتح الطرق واستعادة حركة التجارة والنقل.
وبالتزامن مع الإعلان، بدأت قوات الشرطة مدعومة بآليات ومعدات ثقيلة إزالة الحواجز والعوائق التي أقامها المحتجون على عشرات الطرق الحيوية، فيما صدرت أوامر مباشرة للقوات الأمنية والعسكرية بإعادة حركة المرور إلى طبيعتها وضمان وصول الإمدادات الأساسية إلى مختلف المناطق.
أزمة بدأت بقرار اقتصادي
وتعود جذور الأزمة الحالية إلى قرار مفاجئ اتخذه الرئيس البوليفي بإلغاء دعم الوقود الذي ظل قائماً لعقود طويلة، في محاولة للحد من العجز المالي المتزايد ومعالجة أزمة نقص الدولار التي تضرب البلاد، بالتوازي مع محادثات اقتصادية تجريها الحكومة مع صندوق النقد الدولي.
لكن القرار أشعل موجة غضب واسعة، إذ اعتبرته قطاعات كبيرة من المجتمع ضربة مباشرة للقدرة الشرائية للمواطنين في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتباطؤ النشاط الاقتصادي.
وسرعان ما توسعت دائرة الاحتجاجات لتشمل المزارعين وعمال المصانع والمناجم والنقابات العمالية، الذين رفضوا الإصلاحات الاقتصادية التي طرحتها الحكومة، واعتبروها تهديداً لمكتسبات اجتماعية تحققت خلال سنوات الحكم اليساري السابقة.
ورغم إعلان الحكومة لاحقاً التراجع عن بعض الإجراءات غير الشعبية، واتخاذ خطوات لتثبيت أسعار الوقود، فإن ذلك لم يكن كافياً لاحتواء الغضب الشعبي، الذي تحول إلى حركة احتجاجية واسعة تطالب بزيادة الأجور ومعالجة نقص الوقود والعملات الأجنبية، وصولاً إلى المطالبة باستقالة الرئيس.
50 يوماً من الاحتجاجات وقطع الطرق
وخلال الأسابيع الستة الماضية، تحولت الطرق السريعة في بوليفيا إلى ساحات مواجهة مفتوحة بين المحتجين وقوات الأمن، حيث أغلقت عشرات المحاور الرئيسية التي تربط المدن الكبرى ببعضها البعض.
وأدى إغلاق الطرق إلى احتجاز مئات الشاحنات وتعطيل حركة البضائع، ما تسبب في نقص ملحوظ للمواد الغذائية والوقود والأدوية في العديد من المناطق، بما في ذلك العاصمة الإدارية لاباز.
وفي ذروة الاحتجاجات، تجاوز عدد الحواجز المقامة على الطرق المئة حاجز، قبل أن يتراجع العدد تدريجياً خلال الأيام الأخيرة، إلا أن السلطات أكدت استمرار وجود عشرات النقاط المغلقة التي تعيق حركة النقل والتجارة.
سقوط ضحايا وتصاعد المواجهات
ومع اتساع رقعة الاحتجاجات، شهدت بوليفيا مواجهات عنيفة بين المتظاهرين وقوات مكافحة الشغب، استخدم خلالها بعض المحتجين أصابع الديناميت التقليدية التي تشتهر بها احتجاجات عمال المناجم في البلاد.
ووفقاً للسلطات، أسفرت أعمال العنف عن اعتقال ما لا يقل عن 365 شخصاً وإصابة عشرات آخرين، بينما تحدثت منظمات حقوقية ومؤسسات رسمية عن سقوط 17 قتيلاً على الأقل خلال الأزمة.
وتشير تقارير حقوقية إلى أن عدداً كبيراً من الوفيات ارتبط بصعوبات الوصول إلى الرعاية الصحية نتيجة إغلاق الطرق وتعطل وسائل النقل، ما فاقم من التداعيات الإنسانية للأزمة.
موراليس في قلب المشهد السياسي
ورغم أن الاحتجاجات انطلقت لأسباب اقتصادية، فإنها سرعان ما اكتسبت أبعاداً سياسية واضحة، خصوصاً مع مشاركة مجموعات محسوبة على الرئيس البوليفي السابق إيفو موراليس.
وتواصل مجموعات من الفلاحين ومزارعي الكوكا في منطقة تشاباري، التي تعد معقلاً تقليدياً لموراليس، المشاركة في الاحتجاجات ورفض الاتفاقات التي وقعتها الحكومة مع بعض النقابات.
وتتهم السلطات موراليس وحلفاءه بالوقوف خلف عمليات قطع الطرق وتأجيج الاحتجاجات بهدف زعزعة استقرار الحكومة الحالية، وهي اتهامات ينفيها قادة الحراك الذين يؤكدون أن الاحتجاجات نابعة من مطالب اقتصادية واجتماعية حقيقية.
وفي تطور لافت، لمح وزير الداخلية ماركو أنتونيو أوفييدو إلى احتمال تنفيذ إجراءات قانونية ضد الرئيس الأسبق، مؤكداً أن الأجهزة الأمنية ستنفذ أي عملية ضرورية في الوقت المناسب، وأن موراليس يجب أن يمثل أمام القضاء.
اتفاقات جزئية وانقسام داخل المحتجين
وقبل إعلان حالة الطوارئ بساعات، تمكنت الحكومة من توقيع اتفاق مع الاتحاد العمالي الرئيسي في البلاد، والذي أعلن تعليق التصعيد ورفع إجراءات الضغط ضد السلطات.
غير أن الاتفاق لم ينه الأزمة بالكامل، إذ رفضت قطاعات أخرى الانضمام إليه، معتبرة أن الحكومة لم تقدم حلولاً حقيقية للمشكلات الاقتصادية التي دفعت المواطنين إلى الشارع.
ويعكس هذا الانقسام داخل صفوف المحتجين تعقيد المشهد البوليفي، حيث تتداخل المطالب المعيشية مع الحسابات السياسية والصراعات المرتبطة بمستقبل السلطة في البلاد.

