كشفت شكاوى أولياء أمور في مصر عن رسوب طلاب بصفوف النقل في مادة التربية الدينية رغم حصول بعضهم على 55 من 100، بعد رفع النجاح إلى 70%، فاشتعل الغضب من أعمال السنة.

 

وفي بلد صارت فيه المدرسة عبئاً مالياً ونفسياً على الأسر، لا تبدو الأزمة دفاعاً عن مكانة الدين، بل قراراً فوقياً جديداً يعاقب الطلاب بعد عام لم تهيئه الوزارة لتدريس المادة بجدية.

 

كما أن ربط النجاح بأعمال السنة والسلوك والمواظبة والتقييمات الأسبوعية فتح باباً واسعاً لاجتهادات المعلمين، وجعل الطالب رهينة تقدير غير منضبط قد يساوي بين المجتهد والراسب في النتيجة النهائية.

 

الدين يتحول إلى فخ رسوب

 

لذلك يشكو أولياء الأمور من أن طالباً يحصل على 55% في مادة الدين كان سينجح وفق القواعد القديمة، لكنه أصبح راسباً لأن القرار الجديد يشترط 70% من الدرجة المخصصة للمادة. .

 

ومن ثم لم تعد المشكلة في الامتحان التحريري وحده، لأن درجات السلوك والمواظبة والواجب والتقييمات الأسبوعية صارت جزءاً حاسماً من النتيجة، رغم أنها تخضع لاختلافات واسعة بين المدارس والمعلمين.

 

غير أن وزارة التربية والتعليم اختارت تحويل مادة غير مضافة للمجموع إلى بوابة رسوب جديدة، ثم تركت الأسر تواجه النتيجة وحدها، وكأن التطبيق المفاجئ لا يحتاج إلى تهيئة ولا إنذار مبكر.

 

علاوة على ذلك، أكدت تقارير صحفية أن الوزارة تتمسك بأن النجاح في التربية الدينية لا يعتمد على التحريري فقط، بل على منظومة تقييم تشمل الاختبارات وأعمال السنة طوال العام. .

 

بناءً على ذلك، يصبح الطالب الذي اجتاز الامتحان التحريري معرضاً للرسوب بسبب أعمال السنة، وهي مساحة فضفاضة قد تتحول من تقييم تربوي إلى أداة ضغط داخل المدرسة وخارجها.

 

في المقابل، يطالب أولياء الأمور بتطبيق نسبة 70% على الامتحان التحريري فقط، لأنه يمثل المجهود الحقيقي القابل للقياس، بدلاً من ترك مصير الطالب لعناصر تقييم يصعب الطعن فيها.

 

كذلك نقلت شكاوى أولياء الأمور أن أعمال السنة باتت تكاد تعادل درجات التحريري، ما جعلها باباً خلفياً للدروس الخصوصية، ومصدراً جديداً لاستنزاف الأسرة تحت عنوان الالتزام والمتابعة.

 

ومن هنا، لا تبدو التربية الدينية مادة لبناء القيم كما تقول الوزارة، بل ورقة ضغط إضافية على طالب منهك، وأسرة محاصرة بمصاريف الدروس والكتب والتقييمات وقلق الدور الثاني.

 

أعمال السنة وسلطة المعلم

 

لزيادة الأزمة، ترتبط درجات السلوك والمواظبة والواجب بتقدير يومي داخل المدرسة، وهو ما يجعل العدالة التعليمية مستحيلة إذا لم توجد معايير موحدة وشفافة ورقابة تمنع المزاجية والانتقام.

 

ومن ناحية أخرى، يقول أولياء الأمور إن طالباً قد ينجح في التحريري، ثم يدخل الدور الثاني بسبب نقص أعمال السنة، ما يعني أن الامتحان لم يعد معياراً فاصلاً للنجاح أو الرسوب.

 

فضلاً عن ذلك، حذر الدكتور تامر شوقي، أستاذ علم النفس التربوي، من أن رفع النجاح في التربية الدينية إلى 70% قد يرفع نسب الرسوب إذا لم يصاحبه تدريس حقيقي.

 

ثم أوضح شوقي أن علاج إهمال التربية الدينية لا يكون بإجراء مفاجئ، لأن إصلاح تراكم سنوات يحتاج تأسيساً تدريجياً للطلاب وتهيئة للأسر والمعلمين قبل تحويل المادة إلى عتبة رسوب.

 

على الجانب الآخر، يرى الدكتور عاصم حجازي، أستاذ علم النفس التربوي، أن تحويل التربية الدينية إلى مادة ضغط قد يفقدها بعدها الروحي، ويدفعها إلى سوق الدروس والملخصات.

 

في هذا السياق، تصبح المادة التي يفترض أن تغرس القيم سبباً في توتر الأسرة، لأن الوزارة تعاملت معها كرقم نجاح لا كمنهج يحتاج معلمين مؤهلين وحصصاً منتظمة ومناخاً تربوياً.

 

وبينما تتحدث الوزارة عن الانتماء والتسامح واحترام الآخر، يجد الطالب نفسه أمام معادلة عقابية، يدرس مادة غير مضافة للمجموع لكنها قادرة على إسقاطه وإعادته إلى الدور الثاني.

 

إضافة إلى ذلك، فإن تفاوت تطبيق أعمال السنة بين مدرسة وأخرى يحول العدالة إلى حظ، فطالب في مدرسة متشددة قد يسقط، بينما ينجو آخر في مدرسة أكثر تساهلاً.

 

قرارات فوقية تدفع الأسرة للدروس

 

وعليه، تكشف أزمة الدين خللاً أعمق في طريقة صنع القرار التعليمي، حيث تصدر الوزارة قرارات كبيرة دون اختبار كافٍ، ثم تطلب من الطلاب والأسر دفع تكلفة التجريب.

 

في المقابل، كتب الباحث التربوي كمال مغيث أن التربية الدينية ظلت تاريخياً مادة نجاح ورسوب لا تضاف للمجموع، لكنه حذر من تحويلها إلى ساحة صراع اجتماعي وسياسي.

 

كما أشار مغيث في تناول آخر إلى أن تدريس الدين في المدارس المصرية ارتبط بتحولات سياسية واجتماعية، لا بمجرد نقاش تربوي هادئ حول بناء القيم داخل المدرسة.

 

لذلك فإن رفع نسبة النجاح إلى 70% من دون تجهيز المنهج والمعلم والحصة والطالب، يخلق نتيجة عكسية، حيث تتحول المادة إلى عبء شكلي بدل أن تصبح مساحة للفهم والسلوك.

 

ومن ثم تصبح الدروس الخصوصية نتيجة طبيعية للقرار، لأن الأسرة الخائفة من الرسوب ستدفع مقابل ضمان أعمال السنة والتحريري، حتى في مادة كان يفترض ألا تتحول إلى تجارة تعليمية.

 

غير أن الوزارة لا تعترف بجوهر الأزمة، بل تكرر أن القواعد معلنة وتطبق على الجميع، وكأن الإعلان يكفي لإلغاء أثر ضعف التدريس وتفاوت المدارس واختلاف المعلمين.

 

إلى جانب ذلك، طالبت لجنة التعليم بحزب المصريين الأحرار بإعادة النظر في تطبيق شرط 70% على الطلاب الحاليين، وأن يتم أي تغيير مستقبلي بصورة تدريجية ومنظمة.

 

في النهاية، لا يرفض أولياء الأمور تدريس التربية الدينية، بل يرفضون تحويلها إلى فخ رسوب قائم على أعمال سنة غامضة، وقرار مفاجئ، وتطبيق يفتح باب الاستغلال والدروس.

 

وبناءً على ذلك، فإن أزمة رسوب الطلاب في الدين ليست دفاعاً عن القيم، بل فضيحة إدارة تعليمية، ترفع الشعارات الأخلاقية بينما تترك الطالب تحت رحمة تقييمات متذبذبة وقرارات غير ممهدة.