عبد الناصر سلامة

رئيس تحرير صحيفة الأهرام الأسبق

 

ما أن اعتقلت السلطات الأمنية في مصر، صبري نخنوخ، أحد الأشقياء، أو أحد البلطجية ذائعي الصيت، متلبسًا بحالة مريعة من استخدام القوة والعنف وحيازة آثار وأسلحة وأدوات تعذيب، إلى غير ذلك من اتهامات عديدة صدر بها بيان رسمي من مكتب النائب العام، إلا وقامت قيامة المتشددين من مريديه وأتباعه، على مواقع التواصل الاجتماعي، ما بين مستنكر وناقم ومتوعد، على اعتبار أن الرجل كان مستأنسًا بالقرب من النظام، وهو الأمر الذي أثار الانتباه إلى القضية من زوايا مغايرة، سياسية وطائفية، بمنأى عن الشق الجنائي.

 

ردود الفعل المنفعلة والمتشنجة هذه، حاولت الاتجاه بحالة البلطجة هذه إلى منحى ضيق، لا يتوافق مع الصالح العام، خصوصًا بعد أن تم القبض على إحدى مذيعات التلفزيون، وهي تحاول نقل ملكية عدد من سيارات المتهم الفارهة إلى ملكيتها الخاصة، بهدف حماية هذه السيارات من التحفظ أو المصادرة، بينما أطل أحدهم، وهو من أكبر رجال الأعمال، في حديث إعلامي على هامش الحدث، مشيدًا برئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد، باعتباره "الأب الروحي لمصر" على حد قوله، ما يشير إلى أننا أمام حالة استغاثة أو احتماء أو حتى انتقام وإهانة للدولة المصرية، أو كل ذلك معًا، وهو ما لاقى استنكارًا واسعًا من الشارع، وليس من الإعلام الرسمي فقط.

 

الإجراء الأمني المصري، بحق ذلك البلطجي، ربما جاء متأخرًا جدًا، على الرغم من أنه خرج من السجن عام 2018، بعفو صحي رئاسي أصدره الرئيس عبد الفتاح السيسي شخصيًا، بعد أن قضى ستة أعوام في الحبس، رغم صدور أحكام بحقه تصل إلى 28 عامًا، وهو العفو الذي أثار استياءً شعبيًا كبيرًا حينذاك، ذلك أن الرجل مدان بقضايا عديدة، ولا تبدو عليه أية أمراض، ما أثار تكهنات متفاوتة حول أسباب ذلك العفو، أرجعها البعض لأسباب طائفية، والبعض الآخر إلى قوة المال، والبعض الثالث إلى النكاية في جماعة الإخوان المسلمين، على اعتبار أنه قد دخل السجن خلال عام حكمهم 2012.

 

لا شك أن بلطجة الشوارع أصبحت ظاهرة مصرية مقيتة في هذه الآونة، بعد أن كانت تقتصر في الماضي على المناطق الشعبية، نتيجة الفقر أو البطالة أو الجهل، إلا أنها في السنوات الأخيرة أصبحت مقننة في أوساط الكبار، محدثي السلطة والمال، في صورة شركات أمن، وحراسات خاصة، واستغلال نفوذ في وضح النهار، ترصدها طوال الوقت وسائل التواصل الاجتماعي، بالصوت والصورة، وهو ما يضع الدولة في موقف حرج، حيث التركيز الأمني على الحالة السياسية، أو الأمن السياسي بشكل كبير، على حساب الأمن العام، أو هكذا يرى المراقبون.

 

لا يمكن أن نتجاهل أن البلطجية وغيرهم من المسجلين خطرًا في مصر، أصحاب السوابق الجنائية، الذين يقدر عددهم بعشرات الآلاف، هم في معظم الأحوال جزء من المنظومة الأمنية، تستعين بهم أجهزة السلطة في كثير من الأحيان، خصوصًا في الانتخابات البرلمانية والرئاسية وغيرها، أو في مواجهة المظاهرات والاحتجاجات، أو في أعمال معاونة هنا وهناك، إلا أن الحالة التي نحن بصددها كانت جديدة من نوعها، بعد أن تمكن ذلك البلطجي بشكل رسمي، من إنشاء شركات أمن وحراسات واستيراد وتصدير وغيرها، ما جعله يتمتع بنفوذ منقطع النظير، خصوصًا بعد شموله بالعفو بقرار رئاسي مريب.

 

البعض يرى أنه اختلف مع شركائه فكان لا بد من تأديبه، والبعض يرى أنه تجاوز الخطوط الحمراء فكان لا بد من بتره، والبعض يرى أنه اشترى بثمن بخس بعض ممتلكات أحد المقاولين الهاربين، المتمردين على النظام، بالتالي ساعده على الهروب، إلا أن كل هذه التكهنات قد لا تتوافق مع حجم الغضب الأمني عليه وعلى أنصاره، ما يشير إلى أن الأمر أكبر من ذلك بكثير، خصوصًا مع الاتهامات الرسمية بغسيل أموال، وقد يتعلق بشأن سياسي، أو أمن قومي، أو عمالة وتخابر، أو أي شيء من هذا القبيل، في الوقت الذي تحدثت فيه أنباء سابقة عن تهريبه أسلحة إلى الداخل من خلال أحد الموانئ، وكان السؤال المثير للدهشة وقتها هو: كيف تتغاضى الدولة عن ذلك، إذا كانت الاتهامات حقيقية؟

 

لا شك أن هناك حالة من البهجة والرضا العام، في كل الأوساط المصرية، مع أي جهود أمنية تواجه بلطجة الشوارع، فما بالنا عندما يتعلق الأمر ببلطجة الكبار، أو بلطجة المافيا المنظمة، ما يشير إلى أن عملية اعتقال ذلك البلطجي وأعوانه، قد لاقت استحسانًا كبيرًا في الشارع، الذي يأمل استمرار السير في هذا الاتجاه، أملًا في مزيد من الأمن والأمان، في الوقت الذي يدور فيه الحديث عن ظاهرة تتعلق بخطف الأطفال، وأخرى بانتشار كلاب الشوارع، وثالثة بمشاكل الأسرة والزواج والطلاق، وغير ذلك من قضايا اجتماعية عديدة، قد تصل إلى التهديد المباشر للأمن القومي.

 

الغريب في الأمر، هو ألا تتجاوب فئة معينة في المجتمع، أيًا كانت سطوتها، مع هذه الجهود الأمنية، عندما يتعلق الوضع بأحد المنتمين إليها، في محاولة لتسييس الأمور، أو صبغتها طائفيًا ودينيًا، وهو ما يوجب التعامل معه بحزم على كل المستويات، خصوصًا الجهة المعنية التي كان يجب أن تصدر على الفور بيانًا تتبرأ فيه من ممارسات البلطجة بشكل عام، ومن هذه الحالة تحديدًا، إثباتًا لحسن النية، في رسالة لمنتسبيها بألا وجه للتعامل مع الموضوع بأكثر من حجمه الطبيعي، ممثلًا في الإجرام واستعراض القوة، واستغلال النفوذ.

 

السؤال هو: هل كانت قضية نخنوخ حالة خاصة، استهدفت شخصًا بعينه، أخطأ أو تجاوز أو خرج عن النص، أو حتى عن الحالة الوطنية، ومن المفترض أن تصدر بحقه أحكام مشددة عن سابقتها، نتيجة صدور أحكام سابقة؟ أم أنها خطة أمنية طويلة المدى، تستهدف تطهير المجتمع المصري من رجس البلطجة عمومًا، واستعراض القوة، خصوصًا بلطجة الكبار الذين يمكنهم تهديد استقرار الدولة مستقبلًا، حتى لا نجد أنفسنا أمام حميدتي السودان أو حفتر ليبيا، وهو أمر غريب على الدولة المصرية شكلًا وموضوعًا، لا يمكن القبول به، لا على المستوى الرسمي ولا المستوى الشعبي؟