أعلنت محافظة الإسكندرية، السبت 6 يونيو 2026، إيقاف معلمين اثنين بكنترول لجنة تابعة لإدارة برج العرب التعليمية لمدة 3 أشهر أو لحين انتهاء التحقيقات، بعد ثبوت تصوير ونشر ورقة أسئلة من امتحانات الشهادة الإعدادية.
وتكشف الواقعة فشلًا جديدًا في حماية سرية الامتحانات داخل نقطة يفترض أنها الأكثر حساسية، لأن الخرق لم يأت من طالب يحمل هاتفًا، بل من داخل أعمال الكنترول التي تمثل قلب منظومة التأمين والتقييم.
كنترول برج العرب يتحول إلى مصدر التسريب
رصدت غرفة العمليات الرئيسية ومركز السيطرة بديوان عام محافظة الإسكندرية تداول إحدى أوراق الأسئلة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بعد مرور ساعة و10 دقائق من بدء الامتحان، ما دفع المحافظة إلى فتح تحقيق عاجل.
وعقب الفحص، أثبتت الشؤون القانونية قيام معلمين عاملين بكنترول إحدى اللجان التابعة لإدارة برج العرب التعليمية بتصوير الورقة الامتحانية ونشرها، وهي واقعة تضرب الثقة في إجراءات التأمين من داخل المنظومة نفسها.
ثم أصدر محافظ الإسكندرية قرارًا بإيقاف المعلمين عن العمل لمدة 3 أشهر أو لحين انتهاء التحقيقات، أيهما أقرب، مع إحالة الواقعة للنيابة العاجلة واتخاذ الإجراءات القانونية والإدارية بحق المخالفين.
كما امتدت الإجراءات إلى استبعاد رئيس اللجنة والمراقب الأول، وهو ما يعكس أن المحافظة لم تتعامل مع الواقعة كخطأ فردي بسيط، بل كخلل إداري داخل لجنة امتحانية كان يجب أن تكون مغلقة ومؤمنة.
وفي هذا السياق، يخدم رأي الباحث التربوي كمال مغيث جوهر الأزمة، لأنه يربط عدالة التعليم بمبدأ تكافؤ الفرص، وهو المبدأ الذي تنهار قيمته عندما تخرج ورقة الأسئلة من الكنترول إلى المنصات.
لذلك لا تكفي عقوبة الإيقاف وحدها، لأن السؤال الأكبر يتعلق بكيف دخلت وسيلة التصوير إلى الكنترول، وكيف استطاع عاملون داخله نشر ورقة امتحانية رغم التعليمات المشددة قبل الامتحانات.
تكافؤ الفرص يدفع ثمن الفوضى الرقمية
جاءت الواقعة بعد تداول صور من إحدى أوراق أسئلة الشهادة الإعدادية عبر منصات التواصل الاجتماعي، وهو ما أعاد مخاوف أولياء الأمور والطلاب من تكرار الغش الإلكتروني وتفاوت فرص الطلاب داخل اللجان.
وتزداد خطورة الواقعة لأن الشهادة الإعدادية تمثل محطة مفصلية في مستقبل الطلاب، إذ ترتبط نتيجتها بالانتقال إلى مسارات التعليم الثانوي، وبالتالي فإن أي خرق في الامتحان يضرب عدالة التقييم.
كما أن تصوير ورقة الأسئلة بعد بدء الامتحان لا يقلل من خطورته، لأن صفحات الغش وجروبات التواصل تستطيع خلال دقائق تحويل الصورة إلى إجابات متداولة، ما يمنح بعض الطلاب فرصة غير مشروعة.
ومن زاوية أولياء الأمور، أكدت داليا الحزاوي، مؤسسة ائتلاف أولياء أمور مصر، أن انتشار جروبات الغش واستمرار الظاهرة داخل اللجان يمثلان خطرًا على مبدأ تكافؤ الفرص بين الطلاب.
وبناء على ذلك، لا يصبح الغش مجرد مخالفة مدرسية، بل اعتداء على الطالب الملتزم الذي يدخل اللجنة دون وسيلة مساعدة، ثم يجد زميلًا آخر يحصل على إجابات من خارج قواعد الامتحان.
كذلك تكشف الواقعة هشاشة خطاب وزارة التربية والتعليم ومديرياتها حول التأمين، لأن تكرار حوادث التصوير والنشر يجعل البيانات الرسمية عن الانضباط أقل تأثيرًا من صورة واحدة مسربة عبر الهاتف.
القانون حاضر والردع غائب
ينص قانون مكافحة أعمال الإخلال بالامتحانات رقم 205 لسنة 2020 على عقوبات تصل إلى الحبس من 2 إلى 7 سنوات، وغرامات من 100 ألف إلى 200 ألف جنيه لمن ينشر أو يروج أسئلة الامتحانات.
وفي تفسير قانوني مباشر، أوضح المحامي إيهاب الزياتي أن العقوبة تطال كل من يطبع أو ينشر أو يذيع أو يروج أسئلة الامتحانات أو إجاباتها، سواء وقعت الجريمة داخل اللجان أو خارجها.
ورغم ذلك، تكشف واقعة الإسكندرية أن النصوص الرادعة لم تمنع الخرق، لأن المشكلة لا تقف عند ضعف العقوبة، بل عند ضعف الرقابة الفعلية على الأفراد المكلفين بحراسة الامتحان.
ثم إن أعمال الكنترول تمثل مرحلة شديدة الحساسية، لأنها لا تتعلق بورقة الأسئلة فقط، بل تشمل سرية البيانات وكراسات الإجابة وأرقام الجلوس وأعمال الرصد، وأي اختراق داخلها يفتح باب الشك.
لهذا تحتاج مديرية التربية والتعليم بالإسكندرية إلى مراجعة شاملة لإجراءات الكنترولات، تشمل منع الهواتف نهائيًا، وتحديد مسؤولية كل فرد داخل اللجنة، وربط أي ورقة امتحانية بمسار واضح منذ استلامها حتى انتهاء زمنها.
كما يجب إعلان نتائج التحقيقات للرأي العام، لأن الاكتفاء بقرار إيقاف مؤقت يهدئ الغضب لساعات، لكنه لا يجيب عن سؤال الأسر حول كيفية منع تكرار الواقعة في امتحانات لاحقة.
وتفرض الواقعة على الوزارة مراجعة طريقة اختيار العاملين بالكنترولات، لأن السرية لا تتحقق بالأختام والتعليمات فقط، بل بموظفين مؤهلين ومدربين ويعرفون أن أي تصوير يمثل جريمة لا مخالفة شكلية.
وفي النهاية، لا تختبر واقعة برج العرب قدرة محافظة الإسكندرية على إصدار قرار سريع، بل تختبر قدرة الحكومة على حماية امتحان عام من داخل غرفها المغلقة، قبل أن تطالب الطلاب بالالتزام والانضباط.

