شريف هلالي
محام وباحث حقوقي مصري
شهدت الشهور الماضية تصاعدًا ملحوظًا في الحملات المعادية للاجئين في مصر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهي حملات لا تبدو عفوية في أحيانٍ كثيرة، أو معزولة عن السياق السياسي الراهن، وتبدو غالبًا حملات تقودها لجان إلكترونية ومنظّمة لتحقيق أهداف معيّنة، ويستند جانبٌ منها إلى خطاب إعلامي ورسمي متكرّر يركّز على الأعداد الكبيرة للاجئين الذين تستضيفهم مصر، بينما يعكس جانب آخر مخاوف جرى تضخيمها بفعل هذا الخطاب، إلى جانب تداول رواياتٍ عن تجاوزاتٍ منسوبة إلى بعض اللاجئين والأجانب، بما يؤدّي إلى تزايد الدعوات إلى التضييق عليهم أو ترحيلهم.
وتتوازى هذه الحملات مع خروج لائحة قانون لجوء الأجانب إلى النور، وهي التي نقلت، بموجب القانون، مسؤولية قبول طلبات اللجوء أو رفضها من مفوضية شؤون اللاجئين إلى الحكومة، ومُنحت اللجنة المختصّة صلاحياتٍ واسعة في مختلف مراحل تسجيل وفحص طلبات اللجوء، واتخاذ القرارات المتعلّقة بها، من دون أن يقابل ذلك نظام محدّد للرقابة المستقلّة يعزّز وجود ضمانات كافية للشفافية والمساءلة، وهو ما أثار انتقادات من منظّمات حقوقية رأت أنّ القانون واللائحة يقلّصان الضمانات المقرَّرة لطالبي اللجوء.
كما يأتي هذا في ظلّ تصاعد التقارير الحقوقية بشأن وفاة لاجئين سودانيين داخل أقسام الشرطة، في وقائع تعزى إلى الإهمال الطبّي، بينما لم تُعلَن أي تحقيقات رسمية بشأن تلك الوفيات. وتبرز هنا مفارقة واضحة بين الخطاب الرسمي الذي يشير إلى استضافة مصر نحو عشرة ملايين لاجئ، وبين بيانات المفوضية السامية للأمم المتحدة أنّ عدد اللاجئين وطالبي اللجوء المسجّلين رسميًا يبلغ نحو 1.1 مليون شخص، يشكّل السودانيون نحو 77% منهم، يليهم السوريون وجنسيات أخرى.
يؤدّي الخلط بين اللاجئين والمهاجرين والمقيمين الأجانب إلى تضليل الرأي العام، لأنّ كلًّا من هذه الفئات يخضع لأوضاع قانونية ومعاملة مختلفة. ويرى بعضهم أنّ الحكومة تعتمد على تقديرات مبالغ فيها لأعداد اللاجئين والأجانب في إطار سعيها إلى الحصول على دعم مالي أوروبي، باعتبارها دولة مستقبلة للاجئين، وتؤدّي دورًا في الحدّ من الهجرة غير النظامية إلى أوروبا عبر البحر المتوسط. كما تساعد هذه الحملات في دعم الموقف الرسمي بشأن تعليق عبء الأزمة الاقتصادية على تزايد أعداد هؤلاء اللاجئين، وفي إبعاد المسؤولية عن سياسات الحكومة، وفي إشغال الرأي العام بقضايا جزئية وفرعية لإثارة الجدل الذي لا ينتهي.
وتقوم معظم تلك الحملات على عدة مغالطات، أبرزها: أولًا تحميل اللاجئين مسؤولية التدهور الاقتصادي، وتصويرهم عبئًا على الدولة، أو سببًا في ارتفاع أسعار الإيجارات والضغط على الخدمات العامة، بينما تتجاهل المزاعم أنّ غالبية هؤلاء يعتمدون على مواردهم الخاصّة في تغطية تكاليف معيشتهم، كما يساهم كثيرون منهم في النشاط الاقتصادي بإنشاء مشروعات صغيرة ومتوسّطة وتوفير فرص عمل. وتتجاهل هذه الحملات الأسباب الحقيقية للأزمة الاقتصادية المرتبطة بارتفاع الدين العام، وارتفاع معدّلات التضخّم. والسؤال هنا بافتراض إمكانية خروج جميع اللاجئين وطالبي اللجوء إلى مكان آخر: هل سيؤدّي بالتبعية إلى تحسّن الوضع الاقتصادي تلقائيًا؟ الإجابة بالطبع النفي، لأنّ أسباب هذا الوضع مختلفة تخصّ السياسات الاقتصادية المتّبعة.
وثانيًا، تخلط هذه الانتقادات والحملات الإلكترونية بين بعض التصرّفات غير القانونية من بعض اللاجئين، وتعميم بعض هذه الوقائع الفردية، فتتحوّل المخالفات التي قد يرتكبها أفراد إلى أحكام مسبقة على مجتمع اللاجئين بأكمله، وكأنّهم جميعًا مخالفون للقانون، بالرغم من أنّ اللاجئ آخر ما يريده مخالفة القانون التي قد تعرّضه للعقاب أو للترحيل في حالات معيّنة.
ومع إمكانية حدوث هذه المخالفات، ينبغي التأكيد على أنّ القانون وحده يجب أن يكون المرجع في التعامل معه هذه الحالات، بصرف النظر عن جنسية مرتكبها. وثالثًا، يتماثل هذا الموقف المعادي للاجئين مع مواقف أحزاب اليمين المتطرّف في أوروبا تجاه المهاجرين وطالبي اللجوء في وقتٍ تضمّ فيه كثير من تلك البلدان جاليات مصرية كبيرة، ومن الضروري أن نكون حذرين في تبنّي الموقف نفسه، وهو ما يطرح تساؤلًا عن مدى اتساق هذا المنطق مع مصالح المصريين في الخارج، الذين يواجهون في بعض الأحيان الخطاب ذاته.
رابعًا، يمثّل هذا الموقف من طالبي اللجوء السودانيين والسوريين علامة استفهام أخرى، في ضوء النظر إلى الروابط التاريخية والسياسية مع البلدين. فالسودان يمثّل عمقًا استراتيجيًا لمصر، كما كانت سورية شريكة في تجربة الوحدة عام 1958. ومن ثمّ لا ينسجم تصاعد هذا الخطاب مع طبيعة العلاقات التاريخية بين الشعوب، ولا مع اعتبارات الأمن القومي العربي والمصري. وفي واقع الحال، يفتقر إلى أي مسؤولية سياسية. خامسًا، تتوازى تلك الحملات مع نمو ما تُسمّى "الكميتية"، وهي تيّار محدود يعظّم الهُويّة الفرعونية وما يسمّيه "العرق المصري"، ويعتبرها إطارًا حاكمًا لترسيخ فكرة الانعزالية عن المحيط العربي والأفريقي، وهو خطاب يتجاهل تاريخ المجتمع الذي تشكّل عبر قرون من التفاعل والهجرات المختلفة واستضاف مواطنين من مختلف البلدان العربية، كما استضاف لاجئين أوروبيين أثناء الحربَين العالميتَين الأولى والثانية. ويؤدي التسامح مع تلك الحملات إلى تزايد الثقافة الشعبية المعادية للاجئين، ما قد يتسبّب في توتّر العلاقات الشعبية بين المجتمع والأجانب المقيمين، وهو ما قد يصل إلى ردّات فعل متبادلة، وهو ما ينعكس سلبًا على العلاقات المصرية مع بلدان اللجوء.
أخيرًا، من الملاحظ غياب موقف رسمي واضح لمواجهة هذه الحملات من خلال تطبيق القوانين المتعلّقة بخطاب الكراهية، كما حدث في عدة دول اتخذت إجراءات قانونية بحقّ شخصيات سياسية وإعلامية بسبب حملات من هذا النوع ضدّ اللاجئين. ما يؤكّد أنّ هناك حاجة لسياسة واضحة تجاه هذا الملفّ، بما يتّسق مع التزامات الحكومة المصرية باتفاقية 1951 الخاصّة باللاجئين وبما يضمن حماية حقوقهم. من جهة أخرى، يؤدّي استمرار هذا الخطاب المعادي إلى الإضرار بصورة مصر الإقليمية والدولية، فضلًا عن انعكاساته السلبية على علاقاتها بالدول التي ينتمي إليها اللاجئون. وهو ما يحتاج إلى تبنّي سياسات مختلفة تجاه ملفّ اللاجئين من خلال تعديل قانون لجوء الأجانب، وإعادة النظر في استبعاد أي دور لمفوّضية شؤون اللاجئين، واتّخاذ إجراءاتٍ قانونية وسياسية وإعلامية واضحة لوقف هذه الهجمة ضدّ مجتمع اللاجئين وطالبي اللجوء.

