يحتل المسجد الأقصى مكانةً عظيمة في عقيدة المسلمين؛ فهو ثاني مسجد وُضع في الأرض بعد المسجد الحرام، وأولى القبلتين، وثالث المساجد التي تُشد إليها الرحال. ومن رحابه بدأت رحلة المعراج، وفي ساحاته صلى النبي محمد ﷺ إمامًا بالأنبياء، ليظل الأقصى شاهدًا على وحدة الرسالات وارتباطها بعقيدة التوحيد.
وقد خصَّ الله المسجد الأقصى وما حوله بالبركة، فذكره في كتابه الكريم مقرونًا بالإسراء والمعجزات، فقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾.
مسجد الأنبياء وأولى القبلتين
المسجد الأقصى ليس بناءً عاديًا ولا معلمًا تاريخيًا مجردًا، بل هو مسجد ارتبط بالأنبياء والصالحين عبر العصور، وكان قبلة المسلمين الأولى قبل أن تتحول القبلة إلى الكعبة المشرفة.
وفي ليلة الإسراء، انتقل النبي ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وربط البراق عند الحلقة التي كان يربط عندها الأنبياء، ثم دخل المسجد فصلى فيه، قبل أن يعرج به إلى السماوات العلا.
وهذه المكانة تجعل حب المسجد الأقصى وتعظيمه جزءًا من عقيدة المسلم، لا يرتبط بحدود جغرافية أو انتماءات قومية، وإنما ينبع من الإيمان بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ.
فضل الصلاة في المسجد الأقصى
وردت روايات متعددة في مقدار مضاعفة أجر الصلاة في المسجد الأقصى، فذكرت بعض الأحاديث أنها تعدل خمسمائة صلاة، وذكرت روايات أخرى أعدادًا مختلفة.
وقد رجَّح النص أن الصلاة فيه تعدل خمسمائة صلاة، مع التأكيد أن اختلاف الروايات لا ينتقص من عظيم فضله، فقد يكون اختلاف العدد مرتبطًا باختلاف أحوال المصلين وصلواتهم، أو بزيادة الفضل التي أخبر بها النبي ﷺ في أوقات مختلفة.
ويبقى الثابت أن الصلاة في المسجد الأقصى أعظم أجرًا من الصلاة في عامة المساجد، باستثناء المسجد الحرام والمسجد النبوي.
إلى الأقصى تُشد الرحال
خصَّ النبي ﷺ المسجد الأقصى بجواز شد الرحال إليه، فقال: «لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِ الرَّسُولِ ﷺ، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى».
وفي هذا الحديث بيان واضح لمكانة الأقصى، ودعوة للمسلمين إلى زيارته والصلاة فيه متى استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، وربط قلوبهم به في أوقات الرخاء والشدة.
ومن عجز عن الوصول إليه، فقد وردت الوصية بأن يهدي إليه زيتًا يُسرج في قناديله، في إشارة إلى أهمية المساهمة في عمارته وخدمته وعدم قطع الصلة به.
أرض مباركة ومسرى خاتم الأنبياء
وصف الله الأرض المحيطة بالمسجد الأقصى بأنها أرض مباركة، وقد فسّر العلماء هذه البركة بأنها تشمل بركات الدين والدنيا.
فهي أرض شهدت نزول الوحي، وعاش فيها عدد من الأنبياء والصالحين، كما حباها الله بالخيرات والثمار والأشجار والأنهار.
والبركة التي تحيط بالأقصى ليست مجرد وصف تاريخي، بل هي تكريم إلهي دائم لهذه البقعة المقدسة، وتذكير للأمة بضرورة حفظ مكانتها في القلوب والعقول.
الأقصى أرض المحشر والمنشر
جاء في الأحاديث وصف بيت المقدس بأنه أرض المحشر والمنشر، وهي الأرض التي يُحشر إليها الناس، كما ارتبطت في الروايات بأحداث عظيمة تقع في آخر الزمان.
وورد أن المسيح الدجال لا يدخل المسجد الأقصى، وأن المؤمنين يجتمعون في بيت المقدس، قبل أن يهلك الله الدجال وجنوده.
وهذه النصوص تزيد المسجد الأقصى قداسةً في وجدان المسلم، وتؤكد أن مكانته تمتد من تاريخ النبوات إلى أحداث الآخرة.
الرباط حول بيت المقدس
ارتبطت بلاد الشام وبيت المقدس في الروايات بمعاني الرباط والثبات على الحق، وورد أن طائفة من الأمة تظل ظاهرة على الحق عند أبواب بيت المقدس وما حوله، لا يضرها خذلان من خذلها.
وهذا المعنى يحمّل المسلمين مسؤولية دينية وأخلاقية تجاه المسجد الأقصى وأهله؛ فالدفاع عنه يبدأ بمعرفة فضله، وتعليم الأبناء مكانته، والدعاء لأهله، ودعم صمودهم، وعدم السماح بمحاولات تغييب قضيته عن الوعي.
الأقصى أمانة في أعناق المسلمين
إن المسجد الأقصى ليس قضية شعب وحده، بل أمانة أمة كاملة، ومكانته لا تتغير بتغير الظروف السياسية أو موازين القوى.
ومن صدق الإيمان أن يظل الأقصى حاضرًا في الدعاء، والخطاب، والتعليم، والتربية، وأن تعرف الأجيال أنه أولى القبلتين، ومسرى النبي ﷺ، ومسجد الأنبياء، وأرض البركة والرباط.
فطوبى لمن تعلق قلبه بالمسجد الأقصى، وسعى إلى نصرته بما يستطيع، وحافظ على مكانته في نفسه وأسرته ومجتمعه؛ فالأقصى عقيدة، والقدس أمانة، والحق لا يسقط بتقادم الزمن.

