كتب مارك ماكمين، أستاذ علم النفس الإيجابي وأستاذ فخري في جامعة جورج فوكس، أن الوصول إلى الحكمة لا يحدث دفعة واحدة، بل يحتاج إلى مسار تدريجي يقوم على المعرفة والتجرد والسكينة والسمو، مشيرًا إلى أن الأزمات الكبرى، مثل جائحة كوفيد-19 والاستقطاب السياسي والكوارث الطبيعية، تكشف حاجة الإنسان المتزايدة إلى الحكمة في مواجهة عالم مضطرب.


ووأضاف مارك ماكمين في مقال نشره موقع سايكولوجي توداي، وهو مقال ضيف ضمن سلسلة «الأمل والمرونة» و«الحكمة»، يستعرض فيه أربع خطوات عملية يمكن أن تقود الإنسان نحو الحكمة، خاصة في أوقات الأزمات والاضطرابات. 


المعرفة والتجرد والسكينة.. خطوات أساسية نحو الحكمة


يرى الكاتبان أن طريق الحكمة يبدأ بالمعرفة، إذ لا يمكن للإنسان أن يصبح حكيمًا من دون فهم عميق لما هو مهم حقًا في الحياة. ولا تعني المعرفة هنا مجرد جمع المعلومات أو مواكبة أحدث التقنيات، بل امتلاك فهم راسخ للقضايا والقيم التي تتجاوز تقلبات التكنولوجيا والصراعات السياسية.


ويمكن للإنسان أن يتأمل في أكثر الأشخاص حكمة في حياته ليسأل نفسه: هل يحتاج هذا الشخص إلى أحدث الأجهزة؟ وهل يحرص على التعبير عن كل آرائه السياسية؟ فالحكمة، بحسب هذا التصور، لا ترتبط بكمية ما نمتلكه من أدوات أو معلومات، بل بقدرتنا على معرفة ما يستحق اهتمامنا فعلًا.


وتأتي الخطوة الثانية في القدرة على التجرد، أي امتلاك مساحة نفسية تسمح للإنسان باحتضان الأفكار المتعارضة من دون اللجوء إلى حلول مبسطة أو أحكام متسرعة. ويزداد تحقيق ذلك صعوبة في عالم شديد الاستقطاب، حيث قد يتعرض الشخص للاتهام لمجرد اعترافه بوجود جانب منطقي في رأي مخالف لرأيه.


ويقترح الكاتبان مفهوم «مساحات الحكماء» بدلًا من «المساحات الآمنة»، في إشارة إلى البيئات التي تشجع على التفكير المتزن والحوار مع الأفكار المختلفة، بدلًا من الاكتفاء بحماية الإنسان من الآراء التي لا تتوافق مع قناعاته.


أما الخطوة الثالثة فتتمثل في السكينة. ولا تعني السكينة أن يعيش الإنسان حياة سهلة أو أن يتجاهل الألم، بل أن يمتلك القدرة على المرور عبر المشاعر الصعبة من دون أن تسيطر عليه. فعندما يواجه الإنسان مآسي شخصية أو جماعية، قد يشعر بالقلق والخوف والاكتئاب والهلع، لكن الحكمة لا تلغي هذه المشاعر، وإنما تساعده على عبورها والوصول إلى مساحة من السلام الداخلي.


الحكمة تقود إلى رؤية أوسع للحياة


تأتي الخطوة الرابعة في صورة السمو، إذ تدفع الحكمة الإنسان إلى تجاوز ذاته والوصول إلى مستوى أعلى من الوعي والبصيرة. ويرى الكاتبان أن العلم يقدم إسهامات مهمة في فهم الحكمة، لكن الحديث عنها يظل ناقصًا من دون التطرق إلى الروحانية والسمو، وهو ما خصصا له الجزء الأخير من كتابهما.


ويشير المقال إلى أن عام 2020 ألحق أضرارًا هائلة بالعالم وسكانه، ويطرح سؤالًا جوهريًا: كيف يمكننا البدء في معالجة جراح عصرنا؟ لا توجد وصفة سحرية قادرة على حل كل شيء، لكن أفضل طريق إلى الأمام قد يبدأ بخطوة نحو الحكمة.


وتتطلب هذه الرحلة الخروج من العزلة الفكرية التي تفرضها الانتماءات الأيديولوجية، والتخلي عن التصورات المسبقة والطرق الضيقة التي نبحث من خلالها عن الحقيقة، والانفتاح على تجربة إنسانية أوسع وأكثر شمولًا.


ويرى ماكمين أن الحكمة لا تعني امتلاك إجابة لكل سؤال، بل امتلاك القدرة على النظر إلى العالم بعمق واتزان، وفهم تعقيداته من دون الوقوع في فخ التبسيط أو الاستقطاب.


وفي النهاية، قد لا يكون امتلاك الحكمة أمرًا سهلًا، خصوصًا في عالم تتسارع فيه الأزمات وتتداخل فيه المخاوف السياسية والاجتماعية والاقتصادية. لكن الأزمات نفسها قد تكون فرصة لإعادة النظر في الطريقة التي نفكر بها ونتعامل بها مع الآخرين ومع أنفسنا.


وقد تكون الخطوات الأربع التي يقترحها الكاتبان، وهي المعرفة والتجرد والسكينة والسمو، مدخلًا عمليًا لبناء حكمة أكثر نضجًا، تساعد الإنسان على مواجهة الألم من دون أن يفقد قدرته على رؤية الصورة الأكبر.
 

وربما، كما يقول المقال في ختامه بنبرة ساخرة، نحتاج إلى الحكمة للخروج من أزمات عصرنا، لكننا بالتأكيد لن نمانع أيضًا في الحصول على لقاح.

 

https://www.psychologytoday.com/us/blog/hope-resilience/202011/4-steps-the-path-wisdom