يستعرض هذا التقرير، الصادر عن منتدى البحوث الاقتصادية لعام 2026، إطارًا تحليليًا طوره الأكاديميون والخبراء محمود محيي الدين، وأميرة الشال، وإيمان مصطفى، وحنان سالم لتفسير وقوع مصر في فخ "الأزمة الممتدة" منذ أوائل خمسينيات القرن الماضي.
يدمج الباحثون ثلاثة عوامل متشابكة تسببت في استمرار الركود الاقتصادي؛ تتمثل في تبني سياسات اقتصادية معيبة، واعتماد أساليب إدارة أزمات تفاعلية ولحظية، وجود ديناميكيات اقتصاد سياسي متجذرة تقاوم الإصلاح الهيكلي وتعمل على تركيز السلطة.
ويكشف التحليل الاقتصادي تذبذب مسار النمو في مصر عبر دورات من الرواج والكساد، حيث لم يتجاوز متوسط النمو السنوي نسبة 4% منذ الأزمة المالية العالمية لعام 2008، وهي نسبة غير كافية لرفع مستوى المعيشة بشكل حقيقي ومستدام.
الاختلالات الهيكلية الكلية ومظاهر الأزمة الاقتصادية
أورد منتدى البحوث الاقتصادية في تحليله استمرار اختلالات هيكلية رئيسية في بنية الاقتصاد المصري، وتشمل فجوات مزمنة بين الادخار والاستثمار، وعجزاً مستمراً في الميزان التجاري بين الصادرات والواردات، ونقصاً في الإيرادات الحكومية مقابل المصروفات. تفاقمت هذه النواقص بفعل التمسك بسياسات غير رشيدة، مثل التوسع في دعم الطاقة غير الموجه لمستحقيه، وفرض القيود السعرية، والاعتماد على أنظمة أسعار الصرف الثابتة، والتوظيف المفرط في القطاع العام.
وتوضح البيانات والرسوم البيانية تراجع معدلات الادخار المحلي الإجمالي إلى ما دون 10% من الناتج المحلي الإجمالي، مما عمق الاعتماد على التمويل الخارجي وخلق عبء ديون ثقيل يلتهم جزءاً كبيراً من عوائد الصادرات. كما واجه قطاع الصادرات ضعفاً في التنافسية والتنويع، واستمرت الواردات في تغطية الاحتياجات الغذائية الأساسية، مما جعل البلاد عرضة لتقلبات سلاسل الإمداد العالمية وصدمات الأسعار الناجمة عن التوترات الجيوسياسية.
وفي الجانب المالي، واجهت الدولة عجزاً موازنياً مزمناً نتج عن تدني الإيرادات الضريبية كنسبة من الناتج المحلي، واستحوذت مدفوعات فوائد الديون على أكثر من نصف الموازنة العامة، مما قلص الإنفاق الاستثماري على الصحة والتعليم والمشاريع التنموية.
دور السياسات المعيبة والإدارة التفاعلية للأزمات
تمثلت العقبة الأساسية في تكرار مصر لمعالجات قصيرة الأجل وتطبيق تدابير مؤقتة بمجرد انتهاء المرحلة الحادة لكل أزمة، دون استخلاص الدروس المستفادة أو حل نقاط الضعف الكامنة في بنية الاقتصاد. تسبب هذا النهج التفاعلي في إعادة إنتاج الصدمات، على النقيض من اقتصادات صاعدة نجحت في استغلال الأزمات كقوة دافعة لتنفيذ إصلاحات مؤسسية وسياسية شاملة كدولة كوريا الجنوبية وفيتنام والفلبين.
وساهمت شبكات المصالح والنخب الساعية وراء الريع في مقاومة أي تغيير يهدد امتيازاتها، مما أدى إلى عرقلة جهود التنمية واحتجاز القرار الاقتصادي. وأظهرت السياسات التاريخية، بدءاً من التخطيط المركزي والتأميم في الستينيات وصولاً إلى الانفتاح الجزئي في السبعينيات، غياب الرؤية بعيدة المدى، مما أفرز اقتصاداً مزدوجاً تتركز فيه الثروات. كذلك أدت التعديلات المالية غير المدروسة، مثل خفض الإنفاق الاستثماري العام بدلاً من إصلاح المصروفات الجارية المتضخمة، إلى إضعاف القدرة الإنتاجية وتراجع النمو.
وتسببت أنظمة تنظيم الأسعار والدعم المفرط للوقود في تشويه إشارات السوق وعزوف القطاع الخاص، بينما قاد الإصرار على تثبيت سعر الصرف تاريخياً إلى استنزاف الاحتياطيات النقدية ونشوء أسواق موازية للعملة.
خارطة الطريق وبناء المرونة المستدامة لمستقبل مصر
يستلزم الخروج من حلقة الأزمات المستمرة والركود المتكرر تبني رؤية تنموية شاملة تتجاوز الحلول التقنية السطحية لتحدث إصلاحاً جذرياً في منظومة الحوكمة وبنية الاقتصاد. يتطلب المسار المستقبلي تحفيز تكوين رأس المال عبر تعزيز مشاركة القطاع الخاص، وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة بدلاً من مراكمة الديون الخارجية لتمويل الاستهلاك.
ويستوجب رفع معدلات النمو السنوي إلى نسبة 7% تركيز الأولويات التمويلية على الاستثمار في رأس المال البشري عبر تطوير جودة التعليم والرعاية الصحية، بجانب تحديث البنية التحتية والتحول الرقمي.
ويفترض بالسياسة النقدية تفعيل إطار رسمي لاستهداف التضخم بالتنسيق مع سياسات مالية مرنة، وتجنب العودة لسياسة استهداف أسعار الصرف الاسمية التي أضرت بالاستقرار السعري سابقاً. ويتطلب تنشيط الصادرات تذليل العقبات التنظيمية والممارسات الاحتكارية، وإلغاء الاستثناءات الجمركية والضريبية الممنوحة للجهات الحكومية بهدف تهيئة بيئة تنافسية عادلة لجميع الفاعلين الاقتصاديين.
https://erf.org.eg/publications/egypts-economy-in-the-age-of-permacrisis/

