كشفت أرقام وزارة الموارد المائية والري في القاهرة فجوة مائية تبلغ 23 مليار متر مكعب سنويًا، بعدما وصلت احتياجات مصر إلى نحو 88 مليار متر مكعب مقابل موارد تقارب 65 مليارًا، بينها 55.5 مليار متر مكعب من نهر النيل؛ فخرج جدل الحصة التاريخية من السجال الإعلامي إلى قلب أزمة معيشية مباشرة.
وتضع هذه الأرقام الحكومة أمام مسؤولية سياسية لا يمكن تخفيفها بخطاب الطمأنة؛ لأن ملف مياه النيل يمثل أمنًا قوميًا وحياة يومية في الحقول والبيوت، بينما يدفع المصريون نتيجة سنوات من إدارة الأزمة بالترشيد القسري، وإعادة استخدام المياه، ومشروعات مكلفة لا تمحو السؤال الأصلي عن حماية الحصة والحق.
أرقام الحصة تكشف ارتباك الخطاب الرسمي
في مايو 1929، أقر اتفاق مياه النيل بين الحكومة المصرية والإدارة البريطانية حصة مصر بنحو 48 مليار متر مكعب سنويًا، مقابل 4 مليارات متر مكعب للسودان، وكان الاتفاق جزءًا من ترتيب استعماري قديم ربط النهر بموازين قوة سياسية لا تزال آثارها حاضرة في كل جولة تفاوض.
وبعد 30 عامًا، وقعت مصر والسودان اتفاق عام 1959 لإعادة توزيع مياه النيل بعد مشروع السد العالي، فارتفعت حصة مصر إلى 55.5 مليار متر مكعب سنويًا، وزادت حصة السودان إلى 18.5 مليار متر مكعب، وبقي هذا الرقم مرجعًا رسميًا ثابتًا رغم تضاعف السكان وتوسع الاحتياجات.
وبحسب أستاذ الموارد المائية وعلوم الأراضي بجامعة القاهرة، الدكتور نادر نور الدين، فإن اتفاق 1929 منح مصر حقًا لا يقل عن 48 مليار متر مكعب عند أسوان، كما أن اتفاق 1959 قسم متوسط إيراد 84 مليار متر مكعب بين مصر والسودان مع احتساب فاقد بحيرة السد.
لذلك، يصبح الخلط بين الحصة القانونية التاريخية والاحتياجات الحالية مدخلًا لتضليل الرأي العام؛ لأن الحكومة تعرف أن رقم 55.5 مليار متر مكعب لا يكفي دولة تجاوزت احتياجاتها المائية 88 مليارًا، لكنها تواصل عرض الحصة كما لو أنها ضمانة كافية لا تحتاج إلى محاسبة.
كما أن ربط زيادة الحصة ببناء السد العالي لا يلغي أن الزيادة كانت نتيجة إعادة تنظيم التخزين والتصرفات بين مصر والسودان، لا هبة دائمة تكبر مع السكان، وهو ما يجعل الخطاب الحكومي قاصرًا حين يكرر الرقم نفسه دون شرح الفجوة التي تمددت حوله.
الفجوة المائية تتحول إلى عبء على المواطن
تشير تصريحات وزير الري، هاني سويلم، إلى أن موارد مصر المتاحة تقارب 65 مليار متر مكعب، بينما تصل الاحتياجات إلى 88 مليارًا، وتغطي الدولة الفارق بإعادة استخدام نحو 23 مليار متر مكعب من المياه؛ ما يعني أن العجز لم يعد احتمالًا بل رقمًا تديره الحكومة يوميًا.
وعندما تقول الحكومة إنها تعيد استخدام المياه بكثافة، فإنها تعترف عمليًا بأن الموارد الطبيعية لم تعد تغطي الطلب، وأن المواطن والفلاح سيدفعان ثمن الفجوة من جودة المياه وتكلفة الزراعة وقيود المحاصيل، بينما لا تنشر السلطة كشفًا واضحًا يوزع المسؤولية بين القطاعات والمشروعات.
ويرى وزير الري الأسبق، الدكتور محمد نصر الدين علام، أن غياب التنسيق حول تشغيل سد النهضة يفتح الباب أمام اضطراب إدارة المياه في مصر والسودان، وهو موقف يضع الأزمة خارج حدود الأرقام الجامدة، ويعيدها إلى سؤال القرار السياسي، والتفاوض الملزم، وحماية دولتي المصب.
ومن هنا، تبدو فجوة 23 مليار متر مكعب نتيجة تراكم رسمي لا مجرد ضغط طبيعي؛ لأن الحكومة توسعت في مشروعات عمرانية وزراعية ضخمة قبل أن تقدم للمصريين حسابًا شفافًا عن مصادر المياه، وكلفة التحلية، وحدود المياه الجوفية، وأولوية الزراعة والغذاء على الواجهة الإنشائية.
كذلك، لا يستطيع الخطاب الرسمي أن يطلب من المواطن تحمل القيود باسم الندرة، ثم يتهرب من كشف أثر المدن الجديدة والمشروعات الصحراوية على الميزان المائي؛ لأن العدالة المائية تبدأ من نشر الأرقام كاملة، لا من تحميل الفلاح والمستهلك وحدهما فاتورة العجز.
سد النهضة يضاعف تكلفة التأجيل الحكومي
مع تصاعد أزمة سد النهضة الإثيوبي، تحولت حصة مصر من مياه النيل إلى ملف أكثر حساسية؛ لأن الخلاف لم يعد حول رقم تاريخي فقط، بل حول توقيت تدفق المياه، وتشغيل السد، والتصرفات الأحادية، وهي عناصر تؤثر مباشرة في إدارة السد العالي والزراعة ومياه الشرب.
وقال أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، الدكتور عباس شراقي، إن حصة مصر السنوية تبلغ 55.5 مليار متر مكعب، وإن معظم إيراد النيل يصل خلال أشهر يوليو، وأغسطس، وسبتمبر، وأكتوبر؛ لذلك يغير التشغيل الأحادي للسد نمط توزيع المياه خلال العام، ويزيد عبء الإدارة المصرية.
وتكشف هذه النقطة أن الحكومة أخطأت حين قدمت أزمة سد النهضة لسنوات كملف تفاوضي قابل للاحتواء بالبيانات، بينما كانت إثيوبيا تبني واقعًا جديدًا على الأرض، وتخزن المياه، وتفرض جدول تشغيل لا يخضع لاتفاق ملزم يحمي تدفقات النهر نحو مصر والسودان.
أرقام متضارية عن حصة مصر من المياه
وبالتزامن مع ذلك، زاد الجدل حول دقة أرقام الحصة؛ لأن الحكومة تستخدم أحيانًا لغة الإجمالي المتاح، وأحيانًا لغة الحصة القانونية، وأحيانًا لغة الاحتياجات الفعلية، فيختلط على الناس الفرق بين 55.5 مليارًا من النيل، و65 مليارًا من الموارد، و88 مليارًا من الاحتياجات.
لهذا، يحتاج المصريون إلى خطاب رسمي صريح يفرق بين الحق التاريخي، والموارد المتاحة، والطلب الفعلي؛ لأن غياب الدقة يخدم التهرب من المسؤولية، ويجعل المواطن يتابع أرقامًا متضاربة بينما تتراجع حصته الفردية من المياه وتتسع قيود الزراعة والاستهلاك عامًا بعد عام.
وفي النهاية، لا تكمن الأزمة في رقم قديم وحده، بل في حكومة أدارت ملف المياه بمنطق رد الفعل، وااحتفظت بالأرقام الكبيرة للدعاية، وتركت الفجوة تكبر حتى صارت 23 مليار متر مكعب، ثم طالبت المصريين بتقبل الترشيد وإعادة الاستخدام بدل محاسبة سياسات أهدرت الوقت والفرصة.

