حالة الغضب المكتوم التي تسيطر على كثير من المتضررين من إلغاء نظام الشرائح للعدادات الكودية وتوحيد سعر المحاسبة ليكون بـ 274 قرشًا تحولت إلى صرخات غضب في وجه الموظفين بإدارات الكهرباء المختلفة، وهو أمر بات ملحوظًا للمترددين عليها خلال الشهرين الماضيين، بعد أن تفاجأ المواطنون بتطبيق هذا النظام مما أدى إلى مضاعفة قيمة المحاسبة عليهم.
لا يملك الموظفون الإجابة التي تستطيع إقناع المواطنين المضارين أو تشفي غليلهم بعد أن أصبحوا يتكبدون عناء الشحن المضاعف، على الرغم من أن الكثير منهم انتهى من إجراءات التصالح للعقارات المخالفة، التي تتذرع بها حكومة الانقلاب في تطبيق الشريحة الموحدة، بزعم أنهم يقيمون في وحدات مخالفة، بل الأكثر حيرة من هذا، أن من استبدلوا العدادات القديمة بأخرى كودية في وحدات سكنية تعود إلى ما قبل عام 2011 تفاجأوا أيضًا بتطبيق النظام المحاسبي عليهم.
فوت علينا بكره يا سيد
فقط، يطلب الموظف استيفاء الأوراق المطلوبة لإلغاء النظام المحاسبي الموحد بقيمة 274 قرشًا، والتي تتمثل في الحصول على نموذج 8، وصورة من عقد الملكية أو الإيجار، وصور من بطاقة الرقم القومي للمواطن، ومن ثم يرفعون الأمر إلى ديوان وزارة الكهرباء للرد عليهم خلال فترة ما بين 15 يومًا إلى شهر.
قمة الاستخفاف والتعنت في التعامل مع المواطنين الذين يعضون أصابع الندم لأنهم رفضوا سرقة التيار كما يفعل البعض دون أن يتم محاسبتهم، وكأنه يتم معاقبتهم على انضباطهم ورفضهم سرقة التيار، لكنهم في النهاية أصبح مثلهم مثل "الحرامية" في نظر الحكومة، التي لا تراعي الأوضاع الاجتماعية وموجات التضخم المتتالية، وما ينجم عنها من ارتفاعات لا منطقية أو معقولة في أسعار السلع والخدمات.
أصبح المواطن في ضوء هذا الوضع عاجزًا عن أن يفي بالاحتياجات الأسرية الأساسية، ويعاني من أوضاع صعبة يحاول التكيف معها، ويعمل على ترتيب الأولويات والاستغناء عن سلع لحساب أخرى أكثر ضرورية للحياة، لكن الأمر مختلف بالنسبة للمرافق، حيث لا يمكن له الاستغناء عن الكهرباء أو المياه أو الغاز، أو أي من الخدمات التي شهدت زيادات خلال الفترة الأخيرة بصورة مبالغ فيها.
ازدواج معايير المحاسبة
أحدهم كتب معبرًا عن هذا الوضع المأساوي الذي وجد الموطن نفسه مجبرًا على التعامل معه، قائلاً: "لما المواطن يحس إنه بيتحاسب بطريقة مختلفة عن غيره، وإنه بيدفع سعر أعلى أو سعر تكلفة على عداد كودي، في الوقت اللي غيره بيتحاسب بنظام الشرائح، ساعتها الدولة من غير ما تقصد بتخلق إحساس خطير جدًا عند الناس. إحساس إن اللي ماشي صح هو اللي بيتعاقب".
وأضاف: "أنا شخصيًا أعرف ناس كتير عندهم عدادات عادية ومع ذلك بيسرقوا كهرباء، يعني ناس أصلًا داخلين في النظام الطبيعي، ومع ذلك بيلفوا عليه. فما بالك بقى باللي عنده عداد كودي، وبيسمع إنه هيتحاسب بسعر التكلفة، وبيشوف غيره في نفس المنطقة أو نفس الشارع أو حتى نفس البيت بيتحاسب بشرائح؟، الشخص ده هيفكر في إيه؟، هيقول: أنا ملتزم وبدفع، وفي الآخر متحاسب بسعر أعلى. وغيري بيسرق وبيكسب. طب أنا ليه أفضل ماشي صح؟، وهنا الخطر الحقيقي".
وعلى الرغم من أنه يرفض سرقة التيار، لكنه حذر من مخاطر السياسات التي تؤدي إلى ذلك، مضيفًا: "أنا ضد سرقة الكهرباء تمامًا. ومش شايف إن سرقة الكهرباء حلال ولا مبررة بأي شكل. الكهرباء خدمة، والخدمة لازم يتدفع تمنها. واللي بيستهلك لازم يدفع. لكن في نفس الوقت، لازم نفهم إن السياسات غير العادلة بتفتح باب للغلط. مش كل الناس عندها نفس الوازع الديني أو الأخلاقي. مش كل الناس هتقول: “أنا مش هسرق علشان ده حرام”.
وتابع في هذا السياق: "في ناس لما تحس إنها مظلومة أو متحاسبة بطريقة قاسية، هتبدأ تبرر لنفسها الغلط. وساعتها البلد هي اللي هتخسر. هتخسر لأن ناس أكتر هتفكر تسرق كهرباء. وهتخسر لأن اللي كان ملتزم هيفقد إحساسه بالعدل. وهتخسر لأن المواطن بدل ما يبقى شريك في الترشيد، هيبقى حاسس إنه مجرد واحد بيتحاسب بأقصى سعر. المشكلة مش إننا نقول للناس اسرقوا. بالعكس، السرقة غلط وحرام ومرفوضة. لكن المشكلة إنك لما تحط نظام يخلي المواطن الملتزم حاسس إنه متعاقب، فأنت كده بتشجع غير الملتزم إنه يكمل غلط، وبتخلي الضعيف يفكر يغلط".
وأوضح: "العداد الكودي المفروض يكون وسيلة لتنظيم الوضع، مش سبب يخلي الناس تفقد ثقتها في النظام. لأن المواطن لما يحس بالعدل، هيدفع وهو راضي. لكن لما يحس إن الالتزام مش جايب نتيجة، ساعتها ناس كتير هتبدأ تدور على طريق تاني. وساعتها فعلًا البلد هتخسر أكتر بكتير من أي فرق في سعر الكيلو".

