كشفت تقارير صحفية في جنوب السودان عن طلب جوبا إغلاق قاعدة عسكرية مصرية في منطقة جوت بولاية أعالي النيل، قرب المثلث الحدودي مع السودان وإثيوبيا، في خطوة بقيت بلا رد رسمي من القاهرة أو جوبا رغم مرور أكثر من أسبوع، لكنها فتحت بابًا واسعًا أمام أسئلة تتعلق بموقع مصر الأمني في حوض النيل والقرن الإفريقي.

 

وتأتي هذه التطورات في توقيت شديد الحساسية، إذ تتزامن مع تصاعد التوتر بين السودان وإثيوبيا، واستمرار أزمة سد النهضة، وتحركات إسرائيلية وأمريكية في أرض الصومال، بما يجعل التراجع المحتمل للوجود المصري قرب الحدود الإثيوبية جزءًا من مشهد أوسع لإعادة توزيع النفوذ حول منابع النيل وجنوب البحر الأحمر.

 

قاعدة جوت تضع الوجود المصري قرب إثيوبيا أمام اختبار صعب

 

تكتسب منطقة جوت أهمية خاصة لأنها تقع في ولاية أعالي النيل، بالقرب من الحدود الإثيوبية والسودانية، وعلى مسافة قريبة من إقليم بني شنقول قمز الذي يضم سد النهضة، وهو ما جعل أي حديث عن قاعدة مصرية هناك مرتبطًا مباشرة بملف الأمن المائي المصري لا بمجرد ترتيبات عسكرية عابرة.

 

وبحسب ما تداولته صحف محلية في جنوب السودان، فإن طلب إغلاق القاعدة يعني إنهاء نقطة ارتكاز مصرية قريبة من المجال الإثيوبي، في لحظة تتزايد فيها حساسية القاهرة تجاه تحركات أديس أبابا في ملف سد النهضة، ومطالب إعادة توزيع مياه النيل، واتساع الصراع الإقليمي حول النفوذ الأمني.

 

غير أن الصمت الرسمي من القاهرة وجوبا يضاعف غموض المشهد، لأن غياب النفي أو التوضيح يترك المجال مفتوحًا أمام تقديرات متباينة، بعضها يرى القرار محاولة من جنوب السودان للنأي بنفسه عن صراعات السودان وإثيوبيا، وبعضها يقرأه كاستجابة لضغوط إقليمية مرتبطة بترتيبات القرن الإفريقي.

 

وجاءت الخطوة بعد اتهامات سودانية لإثيوبيا بالوقوف خلف هجمات بالمسيّرات، وما تبعها من استدعاء الخرطوم للسفير المكلف من أديس أبابا، وهو تطور جعل جنوب السودان أكثر حرصًا على تجنب الظهور كمنصة لأي طرف في صراع يتسع بين دول الجوار.

 

سد النهضة يعود من بوابة الأمن لا المفاوضات

 

يرتبط طلب إغلاق القاعدة، إذا صح، بأزمة سد النهضة من زاوية مختلفة عن مسار التفاوض التقليدي، لأن الوجود المصري قرب بني شنقول قمز كان يُنظر إليه كجزء من شبكة ضغط غير معلنة في محيط إثيوبيا، بينما يمثل إغلاقه المحتمل تقليصًا لأحد هوامش الحركة المصرية في المنطقة.

 

وفي هذا السياق، لا تبدو أزمة سد النهضة ملفًا مائيًا فقط، بل تتحول إلى ملف أمني ودبلوماسي يتداخل مع الحرب في السودان، وحدود جنوب السودان، وحسابات إثيوبيا، ومواقف القوى الدولية في البحر الأحمر، وهو ما يجعل كل تحرك عسكري أو لوجستي في الجوار ذا دلالة سياسية مباشرة.

 

كما أن تحرك جوبا للنأي بنفسها عن التصعيد يعكس إدراكًا بأن الحرب السودانية أعادت تشكيل حسابات الدول الصغيرة في الإقليم، فجنوب السودان لا يريد أن يدفع ثمن مواجهة بين الخرطوم وأديس أبابا، ولا يريد أن يتحول موقعه الجغرافي إلى ساحة ضغط بين مصر وإثيوبيا.

 

لكن هذا الحذر يضع القاهرة أمام مأزق واضح، لأن مصر التي سعت خلال السنوات الأخيرة إلى بناء علاقات أمنية وعسكرية في محيط إثيوبيا، من جنوب السودان إلى الصومال، تجد نفسها أمام بيئة إقليمية أكثر ازدحامًا بالمنافسين وأكثر قابلية لتقييد الحركة المصرية.

 

بربرة وأرض الصومال توسعان دائرة الضغط على مصر

 

وعلى خط موازٍ، يفتح ملف أرض الصومال جبهة أخرى لا تقل حساسية، بعدما تسارعت التحركات المرتبطة بمدينة بربرة الساحلية، سواء عبر التفاهم الإثيوبي مع الإقليم الانفصالي للحصول على منفذ بحري وقاعدة عسكرية، أو عبر الحديث عن بنية عسكرية تخدم مصالح أمريكية وإسرائيلية في جنوب البحر الأحمر.

 

وتزيد هذه التحركات من قلق القاهرة لأنها تمس مجالين حيويين في وقت واحد، الأول هو البحر الأحمر وباب المندب وقناة السويس، والثاني هو تموضع إثيوبيا خارج حدودها البرية بما يمنحها منفذًا بحريًا وقاعدة محتملة تعزز قدرتها على المناورة في مواجهة مصر والصومال.

 

كما أن استقبال إسرائيل لأول سفير لأرض الصومال لديها، بحسب ما ورد في التقارير، يضيف بعدًا جديدًا للمشهد، لأن دخول تل أبيب إلى هذه المساحة يمنح إثيوبيا وحلفاءها شبكة أوسع من الدعم السياسي والأمني، ويضع مصر أمام محور يتحرك عند مدخل البحر الأحمر وفي جوار منابع النيل.

 

وفي المقابل، جاءت استجابة القاهرة عبر توقيع بروتوكول تعاون عسكري مع الصومال في أغسطس 2024، ثم دعم مقديشو بمعدات عسكرية في سبتمبر، إلى جانب إعلان المشاركة في بعثة حفظ السلام الإفريقية بين 2025 و2029، وهي خطوات أثارت اعتراضًا إثيوبيًا واضحًا.

 

وبذلك تبدو المنطقة أمام معادلة جديدة، فإغلاق محتمل لقاعدة مصرية قرب إثيوبيا يقابله تمدد إثيوبي وإسرائيلي وأمريكي في بربرة، بينما تحاول القاهرة تعويض الضغط عبر الصومال، ما يعني أن القرن الإفريقي لم يعد ساحة خلفية لأزمة سد النهضة، بل صار ميدانًا مباشرًا للصراع على النيل والبحر الأحمر.

 

وفي النهاية، تكشف أزمة قاعدة جوت وتحركات بربرة أن القاهرة تواجه تضييقًا متزامنًا في دائرتين شديدتي الحساسية، دائرة منابع النيل ودائرة جنوب البحر الأحمر، وأن غياب الموقف الرسمي الواضح لا يلغي خطورة التحولات الجارية، بل يجعل الأسئلة أكبر حول قدرة مصر على حماية نفوذها في لحظة إقليمية تتغير بسرعة.