شهدت إيطاليا،الساعات الماضية، إضرابا عاما ومظاهرات واسعة دعت إليها نقابات عمالية داعمة لغزة، وامتدت التحركات إلى روما وموانئ ومراكز نقل عدة، بعدما استهدف المحتجون تعطيل مسارات الشحن واللوجستيات احتجاجا على الحرب الإسرائيلية والحصار المفروض على القطاع.

 

وتكشف هذه التحركات انتقال الغضب الأوروبي من ساحات التظاهر التقليدية إلى خطوط التجارة والموانئ، حيث لم يعد المحتجون يكتفون برفع الأعلام الفلسطينية، بل سعوا إلى تعطيل الشريان الاقتصادي الذي يرون أنه يربط الحكومات الأوروبية بإسرائيل سياسيا وعسكريا وتجاريًا.

 

الموانئ تتحول إلى ساحة ضغط سياسي

 

بدأ التصعيد من دعوات نقابية ربطت بين الإضراب العام ودعم غزة ورفض برامج إعادة التسلح، إذ أعلنت نقابة القاعدة العمالية في إيطاليا التعبئة تحت شعار منع أي مساهمة في الحرب، مع تحويل الموانئ والطرق ومحطات النقل إلى أدوات ضغط على حكومة جورجيا ميلوني.

 

وفي هذا المسار، اكتسبت الموانئ الإيطالية رمزية خاصة، لأن المحتجين نظروا إليها باعتبارها نقاط عبور محتملة للبضائع والمواد المرتبطة بالتجارة مع إسرائيل، ولذلك تحولت مداخل الشحن والتفريغ إلى مواقع مواجهة مدنية بين العمال والمتظاهرين من جهة والسلطات والشركات من جهة أخرى.

 

كما توسعت الاحتجاجات خارج روما لتشمل مدنا ومنافذ نقل عدة، حيث تحدثت تقارير محلية عن قطع طرق مؤدية إلى موانئ وتعطيل حركة شاحنات، إضافة إلى احتجاجات عمالية في ليفورنو، بما جعل الرسالة الميدانية واضحة: الضغط على إسرائيل يبدأ من تعطيل سلاسل الإمداد التي تمر عبر أوروبا.

 

ولذلك لم يكن الإغلاق مجرد فعل رمزي، بل محاولة لإجبار الشركات والحكومة على احتساب كلفة الاستمرار في العلاقات مع إسرائيل، لأن كل شاحنة متوقفة وكل رصيف مشلول يضيف بعدا اقتصاديا إلى احتجاج سياسي ظل لسنوات محصورا في البيانات والمسيرات.

 

غزة تدفع الشارع الإيطالي إلى كسر الصمت الرسمي

 

في خلفية هذه الموجة، تقف الحرب على غزة كسبب مباشر لحالة الغضب، خاصة مع تصاعد الاتهامات الشعبية للحكومات الأوروبية بالتواطؤ عبر الصمت أو الدعم السياسي أو استمرار العلاقات العسكرية والتجارية، وهو ما جعل المحتجين يوجهون رسالتهم إلى روما قبل تل أبيب.

 

ثم جاءت قضية أسطول الصمود العالمي لتضيف وقودا جديدا للحراك، بعدما ربطت نقابات إيطالية الإضراب بالدفاع عن القافلة المدنية المتجهة إلى غزة ورفض اعتراضها، فانتقل التضامن من مطلب إنساني عام إلى تحرك منظم يستهدف حماية مسار كسر الحصار.

 

وبهذا المعنى، بدا الشارع الإيطالي وكأنه يفتح محاكمة سياسية للحكومة من أسفل، لأن المتظاهرين لا يطالبون فقط بوقف الحرب، بل يطالبون بقطع أشكال التعاون التي تسمح باستمرارها، من السلاح إلى التجارة إلى الغطاء الدبلوماسي داخل المؤسسات الأوروبية.

 

في المقابل، واجهت السلطات ضغطا مزدوجا، فهي مطالبة بحفظ حركة النقل والموانئ، لكنها في الوقت نفسه تواجه رأيا عاما غاضبا يرى أن حماية الشحن لا ينبغي أن تتقدم على حماية المدنيين في غزة، خصوصا مع استمرار المشاهد اليومية للقتل والجوع والحصار.

 

من الإضراب العام إلى الحصار الاقتصادي الشعبي

 

تسعى الحركات العمالية إلى تحويل الاحتجاج من موجة عابرة إلى ضغط مستمر، إذ ترى أن الإضراب العام وقطع الطرق وإغلاق الموانئ يمكن أن يفرضوا على الحكومة الإيطالية مراجعة موقعها من الحرب، خاصة إذا انتقلت العدوى إلى قطاعات النقل الجوي والبري والسكك الحديدية.

 

كما أن دخول النقابات على خط التحرك يمنح الاحتجاج قوة تنظيمية تختلف عن التحركات العفوية، لأن العمال في الموانئ والنقل يملكون قدرة فعلية على تعطيل الحركة التجارية، وهو ما يفسر تخوف الشركات من خسائر متراكمة إذا اتسعت الإغلاقات أو تحولت إلى إضراب مفتوح.

 

وبينما ترفع الحكومة الإيطالية خطابا يحاول الفصل بين الموقف السياسي وإدارة المرافق، يرفض المحتجون هذا الفصل، لأنهم يعتبرون الموانئ جزءا من منظومة الدعم غير المباشر لإسرائيل، ويرون أن أي بضائع أو خدمات لوجستية مرتبطة بها يجب أن تخضع للمقاطعة والوقف الفوري.

 

لذلك تكشف الاحتجاجات الحالية عن فجوة واسعة بين السياسة الرسمية والرأي الشعبي، فالحكومة تحاول إبقاء علاقاتها الخارجية ضمن حسابات التحالفات الغربية، بينما يطالب قطاع واسع من الشارع والنقابات بقرار أكثر حدة يشمل وقف التعاون العسكري وفرض عقوبات اقتصادية على إسرائيل.

 

وفي النهاية، لم تعد احتجاجات إيطاليا مجرد تضامن مع غزة، بل تحولت إلى اختبار لقدرة الشارع الأوروبي على استخدام الاقتصاد ضد السياسة الرسمية، فإذا استمرت الإغلاقات وتوسعت الموانئ المشاركة، فقد تجد روما نفسها أمام حركة ضغط لا تكتفي بالهتاف، بل تمسك بمفاتيح النقل والشحن والتجارة.