في مشهد إنساني مؤثر أعاد إلى الأذهان قيم الشهامة والتكاتف الشعبي، تحوّل أهالي منطقة “أرض الحافي” التابعة لمنطقة منطي في شبرا الخيمة بمحافظة القليوبية، إلى فرق إنقاذ شعبية، بعدما اندلع حريق مفاجئ داخل أحد العقارات السكنية التي تضم حضانة للأطفال، وسط حالة من الذعر والخوف كادت تتحول إلى كارثة إنسانية.
الحادث الذي وقع في ساعات النهار أثار حالة استنفار واسعة بين سكان المنطقة، بعد تصاعد أدخنة كثيفة من داخل العقار نتيجة اشتعال النيران في كابينة المصعد “الأسانسير” بسبب ماس كهربائي، وفق روايات شهود عيان من الأهالي.
بداية الحريق.. دخان كثيف ورعب داخل المبنى
وبحسب روايات السكان، بدأ الحريق بشكل مفاجئ داخل كابينة المصعد، قبل أن تمتد الأدخنة بسرعة عبر طوابق العقار، لتغطي الممرات والسلالم وتحاصر حضانة الأطفال الموجودة بداخله.
ومع تصاعد الأدخنة وانقطاع الرؤية داخل أجزاء من المبنى، سادت حالة من الهلع بين الأطفال والعاملات بالحضانة، خاصة مع صعوبة التحرك داخل العقار، في وقت ارتفعت فيه صرخات الاستغاثة من النوافذ والشرفات.
وأكد شهود عيان أن اللحظات الأولى للحادث كانت شديدة الخطورة، إذ خشي الجميع من امتداد النيران إلى باقي أجزاء العقار أو وصولها إلى توصيلات الغاز والكهرباء، وهو ما كان ينذر بكارثة أكبر في منطقة مكتظة بالسكان.
الأهالي يتحركون قبل وصول الحماية المدنية
ومع تأخر وصول سيارات الإطفاء، لم ينتظر أهالي المنطقة طويلاً، حيث اندفع العشرات من الشباب والسكان نحو العقار المحترق في محاولة لإنقاذ الأطفال العالقين داخل الحضانة.
وسرعان ما تشكلت فرق إنقاذ عفوية بين سكان المنطقة تحت شعار غير معلن مفاده: “أولادنا جميعاً”، في مشهد جسّد حالة نادرة من التضامن الشعبي.
وقال عدد من الأهالي إن بعض الشباب اقتحموا المبنى رغم كثافة الأدخنة ومخاطر الاختناق، بينما تولى آخرون تنظيم خروج الأطفال من السلالم وتأمين محيط العقار لمنع التدافع والفوضى.
اقتحام وسط الدخان.. وإنقاذ الأطفال واحداً تلو الآخر
وبحسب مقاطع فيديو متداولة للحادث، ظهر عدد من الأهالي وهم يحملون الأطفال على أذرعهم وينقلونهم بسرعة عبر السلالم إلى خارج المبنى، وسط محاولات مستمرة لطمأنتهم وتهدئتهم بعد حالة الرعب التي عاشوها.
وروى سكان المنطقة أن عملية الإخلاء تمت في ظروف بالغة الصعوبة بسبب كثافة الدخان وارتفاع درجات الحرارة داخل العقار، إلا أن إصرار الأهالي على إنقاذ الأطفال حال دون وقوع خسائر بشرية.
وأشار شهود العيان إلى أن بعض السيدات شاركن أيضاً في عمليات الاستقبال خارج المبنى، حيث تم تقديم المياه للأطفال ومحاولة تهدئتهم بعد خروجهم من الحضانة في حالة بكاء وخوف شديدين.
إجراءات عاجلة لمنع كارثة أكبر
وفي موازاة عمليات الإنقاذ، تحرك عدد آخر من السكان لفصل التيار الكهربائي وإغلاق مصادر الغاز عن المنطقة المحيطة بالعقار، تحسباً لامتداد النيران أو وقوع انفجارات محتملة.
وأكد الأهالي أن سرعة التصرف الشعبي ساهمت في السيطرة على الموقف خلال الدقائق الحرجة الأولى، قبل وصول قوات الحماية المدنية التي باشرت لاحقاً أعمال التبريد والتأمين.
إشادات واسعة ببطولة الأهالي
وأثار الحادث تفاعلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي، بعدما تداول مستخدمون مقاطع فيديو للحظة إنقاذ الأطفال، مشيدين بما وصفوه بـ”البطولة الشعبية” التي جسدها أهالي المنطقة.
واعتبر متابعون أن ما جرى يكشف حجم التضامن المجتمعي في الأحياء الشعبية، حيث تحرك السكان بشكل فوري لحماية الأطفال دون انتظار أي تعليمات أو تجهيزات رسمية.
كما طالب آخرون بضرورة تكثيف إجراءات السلامة داخل العقارات والحضانات، والتأكد من سلامة التوصيلات الكهربائية وأنظمة الحريق، منعاً لتكرار مثل هذه الحوادث التي قد تتحول إلى كوارث في أي لحظة.
مطالب بمراجعة اشتراطات الأمان داخل الحضانات
وأعاد الحادث الجدل مجدداً حول مدى الالتزام بإجراءات الحماية المدنية داخل الحضانات والمباني السكنية، خاصة في المناطق ذات الكثافة السكانية العالية.
ودعا متخصصون إلى ضرورة إجراء مراجعات دورية للمصاعد الكهربائية والتوصيلات الداخلية، إلى جانب توفير خطط إخلاء واضحة داخل الحضانات والمدارس للتعامل مع الطوارئ والحرائق.
ورغم انتهاء الحادث دون خسائر بشرية، فإن المشاهد التي وثقتها الكاميرات لأطفال يخرجون مذعورين وسط الأدخنة، وأهالٍ يخاطرون بحياتهم لإنقاذهم، ستظل شاهدة على واحدة من أكثر اللحظات الإنسانية تأثيراً في شوارع شبرا الخيمة خلال الساعات الماضية.

