وجهت وزارة الإسكان، في خطاب أرسلته إلى مجلس الدولة، اتهامًا مباشرًا لهيئة الأوقاف بالاستناد إلى حجة ملكية قالت إنها مزورة لإثبات تبعية أكثر من 421 ألف فدان في دمياط والدقهلية وكفر الشيخ لوقف الأمير مصطفى عبد المنان، لتتحول الأزمة من نزاع إداري إلى فضيحة حكومية مفتوحة على ملكية الأراضي وحقوق المواطنين.
وتضع هذه القضية عدة جهات حكومية في موضع مساءلة لا جهة واحدة، لأن وزارة الإسكان تتهم، وهيئة الأوقاف تطالب، والشهر العقاري يوقف التعاملات، ووزارة العدل تتلقى المكاتبات، ومجلس الدولة يعلن عدم الاختصاص، بينما يجد آلاف المواطنين أنفسهم أمام تعطيل التصالح والتقنين والتصرف في أملاكهم دون حسم واضح من الدولة.
حجة متهمة بالتزوير تفتح باب الفوضى في ملكية الأراضي
بدأت الأزمة من اعتماد هيئة الأوقاف على ما تصفه بحجة وقف الأمير مصطفى عبد المنان، وهي الحجة التي تستند إليها للمطالبة بحصة من حصيلة بيع أراضٍ خصصت لمدينة دمياط الجديدة بقرارات جمهورية، رغم أن وزارة الإسكان تقول إن هذه الأراضي ملكية خالصة للدولة وليست ضمن أعيان الوقف.
ثم صعدت وزارة الإسكان موقفها أمام الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة، عندما أكدت أن حجة الوقف باطلة وثبت تزويرها بحكم قضائي في الجناية رقم 398 لسنة 1994 الظاهر، والمقيدة برقم 25 لسنة 94 كلي القاهرة، وهو اتهام يضرب أساس مطالبة الأوقاف من جذوره.
وبذلك لا تبدو الأزمة مجرد خلاف على حدود أرض أو تفسير مستند قديم، بل تبدو كاختبار قاسٍ لقدرة الدولة على حماية سجلات الملكية من التضارب، لأن جهة حكومية تقول إن الحجة مزورة، وجهة حكومية أخرى تتحرك بموجبها، ومواطنون ومحافظات يدفعون ثمن هذا التصادم.
كما تكشف الواقعة خللًا أوسع في إدارة أراضي الدولة، لأن قرارات جمهورية خصصت أراضي دمياط الجديدة، وأحكامًا قضائية سابقة أيدت تلك القرارات، ومع ذلك عادت هيئة الأوقاف للمطالبة بحصة من حصيلة البيع، وكأن الحسم القانوني لا يكفي داخل مؤسسات الدولة نفسها.
الشهر العقاري يعاقب المواطنين بدلًا من حسم النزاع
في المقابل، جاء منشور مصلحة الشهر العقاري ليحول النزاع بين الجهات الحكومية إلى أزمة مباشرة في حياة المواطنين، بعدما عمم على المكاتب وقف أي إجراءات أو تعاملات أو تصرفات على الأراضي محل الوقف، وهي أراضٍ تشمل مساحات واسعة من دمياط ورأس البر ودمياط الجديدة وكفر الشيخ والدقهلية.
وبهذا القرار لم تعد الأزمة محصورة في ملفات وزارية أو خطابات بين هيئات، لأن وقف التعاملات يعني تجميد البيع والشراء والتسجيل والتصرف والتقنين، ويعني عمليًا أن المواطن الذي لا علاقة له بصراع الإسكان والأوقاف يجد نفسه عاجزًا عن إثبات حقه أو ترتيب وضعه القانوني.
ثم زادت خطورة المنشور مع ارتباطه بملفات التصالح في مخالفات البناء وتقنين أوضاع وضع اليد، إذ تحدث بيان النائب ضياء الدين داود عن رفض طلبات تصالح لأكثر من 50 ألف طلب في دمياط بسبب موقف هيئة الأوقاف، بما قد يفتح الطريق أمام قرارات إزالة وأحكام جنائية ضد مواطنين.
وهنا تظهر قسوة الإدارة الحكومية حين تنقل عبء النزاع إلى الأفراد بدل أن تحسمه بين مؤسساتها، لأن المواطن لا يملك سلطة مراجعة حجة عمرها المعلن أكثر من 400 عام، ولا يملك إجبار الأوقاف أو الإسكان أو العدل على تقديم جواب نهائي يحمي الملكية والاستقرار.
كذلك يثير حديث عبد المنعم إمام عن إيداع الحجة في دار الوثائق في فبراير الماضي أسئلة ثقيلة، لأن وثيقة يقال إن عمرها يتجاوز 400 عام لا يمكن أن تدخل فجأة إلى قلب النزاع دون تفسير رسمي دقيق عن مصدرها ومسارها وسبب ظهورها في هذا التوقيت.
مجلس الدولة يترك الأزمة مفتوحة والحكومة بلا قرار حاسم
لاحقًا، جاءت فتوى الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بمجلس الدولة لتزيد المشهد تعقيدًا بدل أن تنهيه، بعدما قررت عدم اختصاصها بنظر النزاع، لأن هيئة الأوقاف تظهر بصفتها نائبة عن وزير الأوقاف بصفته ناظرًا للوقف، لا باعتبارها جهة إدارية عادية في خصومة حكومية.
وبسبب هذا التكييف، اعتبرت الجمعية أن أموال الأوقاف أموال خاصة بموجب قانون إعادة تنظيم الهيئة رقم 209 لسنة 2020، وبالتالي يخرج النزاع من اختصاصها، وهو ما يعني أن الفتوى لم تحسم الملكية ولم توقف آثار المنشور ولم تمنح المواطنين طريقًا سريعًا لإنهاء التعطيل.
في هذه النقطة تحديدًا، تبدو الحكومة بكل أطرافها مسؤولة عن إنتاج الأزمة لا عن حلها، لأن مجلس الوزراء شكل لجنة لحصر أراضي الأوقاف، ووزارة العدل تلقت مكاتبات الأوقاف، والشهر العقاري أوقف التعاملات، والإسكان رد باتهام التزوير، ثم انتهى الأمر إلى عدم اختصاص يترك الباب مفتوحًا للقضاء المدني.
كما أن استدعاء تقرير فني قيل إنه حسم النزاع عام 2001 بعد مراجعة دار المحفوظات ودار الكتب والمحاكم وهيئة المساحة يضع الحكومة أمام تناقض إضافي، فإذا كان التقرير انتهى إلى عدم ولاية الأوقاف على الأرض، فلماذا عاد النزاع بعد أكثر من 30 عامًا ليشل محافظات كاملة.
وفي النهاية، لا تكشف أزمة وقف الأمير مصطفى عبد المنان عن نزاع ملكية فقط، بل تكشف دولة تتنازع مؤسساتها على الأرض نفسها ثم تترك المواطن تحت التجميد القانوني، فالإسكان تتهم، والأوقاف تتمسك، والعدل تنشر، والشهر العقاري يوقف، ومجلس الدولة ينسحب شكليًا، بينما تبقى 421 ألف فدان معلقة بين مستند مطعون عليه وقرار حكومي غائب.

