أعلن منظمو “أسطول الصمود العالمي” من ميناء مرمريس التركي انطلاق 54 قاربًا تقل نحو 500 ناشط ومتضامن دولي باتجاه قطاع غزة، في محاولة جديدة لكسر الحصار الإسرائيلي وإيصال مساعدات إنسانية للسكان المحاصرين، رغم تهديدات جيش الاحتلال المتكررة بمهاجمة السفن واحتجاز المشاركين فيها، ما أعاد ملف الحصار البحري والقيود المفروضة على غزة إلى صدارة المشهد الدولي مع اقتراب ذكرى النكبة الفلسطينية في 15 مايو.
وأعاد التحرك البحري الجديد تسليط الضوء على عجز الحكومات العربية والغربية عن وقف الحرب أو فتح ممرات إنسانية آمنة للمدنيين في غزة، بينما يواصل متضامنون أجانب تحمل مخاطر الاعتقال والهجوم العسكري في المياه الدولية، وسط اتهامات متزايدة لقوى دولية وإقليمية بالتواطؤ مع الحصار عبر منع القوافل والمتضامنين من الوصول إلى القطاع أو التضييق عليهم سياسيًا وأمنيًا.
تصعيد بحري جديد رغم تهديدات الاحتلال
قال الناشط الفلسطيني السويدي سيف أبو كشك خلال مؤتمر صحفي عُقد مساء الأربعاء في ميناء مرمريس إن المشاركين في الأسطول قرروا استئناف مهمتهم نحو غزة رغم التهديدات الإسرائيلية المتكررة، مؤكدًا أن حكومة الاحتلال لا تحترم القانون الدولي أو حقوق الإنسان، وأن استمرار الصمت الدولي شجع إسرائيل على توسيع انتهاكاتها بحق الفلسطينيين والمتضامنين الأجانب.
وأضاف أبو كشك أن المشاركين يدركون المخاطر المحتملة خلال الرحلة الجديدة، لكنهم يعتبرون أن التراجع عن التحرك يمنح الاحتلال فرصة إضافية لترسيخ سياسة التجويع والحصار، مشيرًا إلى أن استهداف السفن السابقة واحتجاز الناشطين لم ينجح في وقف حملات التضامن الدولية مع غزة.
كما كشف أبو كشك أن أحد ضباط جهاز الشاباك الإسرائيلي تفاخر خلال جلسات استجوابه بعد احتجازه سابقًا بأن إسرائيل قتلت أكبر عدد ممكن من الفلسطينيين، معتبرًا أن هذا التصريح يعكس العقلية التي تدير الحرب الحالية على غزة، والتي تعتمد على القتل الجماعي والحصار الطويل بوصفهما أدوات ضغط سياسي وعسكري.
وفي السياق نفسه ربط منظمو الأسطول بين موعد التحرك البحري وذكرى النكبة الفلسطينية، مؤكدين أن إحياء الذكرى هذا العام لا يقتصر على الفعاليات الرمزية، بل يشمل تحركات عملية لمواجهة الحصار، خاصة مع استمرار عمليات التهجير والتجويع واستهداف البنية المدنية داخل القطاع منذ شهور طويلة.
بدوره قال الباحث في الشؤون الدولية الدكتور حسام شاكر إن تكرار انطلاق الأساطيل البحرية رغم الاعتداءات الإسرائيلية يكشف حجم الفشل السياسي الدولي في فرض ممرات إنسانية مستقرة لغزة، موضحًا أن الناشطين باتوا يحاولون سد فراغ تركته الحكومات والمؤسسات الدولية التي اكتفت بالإدانات دون إجراءات حقيقية توقف الحصار.
كذلك أكد أستاذ العلوم السياسية الدكتور عبد الستار قاسم أن إسرائيل تتعامل مع أي تحرك تضامني باعتباره تهديدًا سياسيًا وليس إنسانيًا فقط، لأن وصول سفن مدنية إلى غزة يعني كسر الرواية الإسرائيلية التي تحاول تصوير القطاع باعتباره منطقة معزولة تخضع بالكامل لسيطرة الاحتلال الأمنية.
تحركات دولية تكشف اتساع الغضب من الحصار
أوضح بيان صادر عن منظمي الأسطول أن قرار التحرك الجديد يستند إلى الانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية داخل غزة، مع استمرار نقص الأدوية والمستلزمات الطبية وتزايد أعداد الضحايا نتيجة القصف والحصار ومنع دخول المساعدات الإنسانية بصورة منتظمة منذ أشهر طويلة.
وأشار البيان إلى أن الاحتلال الإسرائيلي يحاول تحويل الحصار إلى واقع دائم عبر التحكم الكامل في حركة الغذاء والدواء والطاقة، بالتزامن مع استهداف متكرر للبنية التحتية المدنية، وهو ما دفع ناشطين من عشرات الدول إلى الانضمام للمهمة البحرية الجديدة رغم احتمالات التعرض للاعتقال أو الهجوم.
في المقابل استعاد ناشطون تفاصيل الهجمات السابقة التي تعرضت لها سفن “أسطول الصمود” خلال أكتوبر 2025، عندما استخدمت إسرائيل طائرات مسيرة لاعتراض السفن قرب سواحل غزة، قبل احتجاز المشاركين وإخضاعهم لتحقيقات قاسية داخل مراكز الاعتقال ثم ترحيلهم إلى بلدانهم.
ومن جهة أخرى يواصل منظمو الحملة الدولية حشد قافلة برية تضم عشرات الشاحنات ومئات المشاركين من أكثر من 30 دولة للتحرك عبر شمال إفريقيا باتجاه معبر رفح، في محاولة لزيادة الضغط الشعبي والسياسي على الحكومات التي تفرض قيودًا على دخول المساعدات إلى القطاع.
غير أن التحركات الجديدة تواجه مخاوف متكررة من تكرار ما حدث في يونيو الماضي، عندما منعت قوات الأمن المصرية مئات المتضامنين الأجانب من الوصول إلى معبر رفح عبر طريق القاهرة الإسماعيلية، قبل مصادرة جوازات سفر بعضهم وترحيلهم قسرًا إلى بلدانهم بعد اعتصامات استمرت ساعات.
وفي هذا الإطار قال الحقوقي الفلسطيني رامي عبده إن منع المتضامنين الدوليين من الوصول إلى غزة أو تعطيل القوافل الإنسانية يخدم بصورة مباشرة سياسة الحصار الإسرائيلية، لأن الاحتلال يعتمد على تقليص أي حضور دولي ميداني قد يوثق الانتهاكات أو يكسر العزلة المفروضة على السكان.
كما اعتبر الباحث في العلاقات الدولية الدكتور سعيد زياد أن التحركات الشعبية الدولية أصبحت أحد أبرز أدوات الضغط بعد فشل المؤسسات الرسمية في وقف الحرب، موضحًا أن استمرار الأساطيل والقوافل يكشف اتساع الغضب العالمي من الجرائم المرتكبة في غزة ومن حالة العجز السياسي العربي والدولي.
النكبة تتجدد والحصار يوسع الكارثة الإنسانية
تزامن انطلاق الأسطول مع إحياء الفلسطينيين لذكرى نكبة 1948، التي شهدت تهجير نحو 750 ألف فلسطيني وتدمير مئات القرى والمدن على يد العصابات الصهيونية، وهي الذكرى التي يعتبرها فلسطينيون مستمرة حتى اليوم مع اتساع عمليات التهجير والقصف والحصار في غزة والضفة الغربية.
وأكد منظمو الأسطول أن التحرك الحالي يحمل رسالة سياسية وإنسانية مرتبطة باستمرار النكبة بأشكال جديدة، خصوصًا مع تصاعد عمليات التهجير داخل القطاع ومحاولات دفع السكان نحو النزوح القسري، بالتوازي مع منع دخول الغذاء والدواء واستهداف المستشفيات ومراكز الإيواء.
وبحسب بيانات وزارة الصحة الفلسطينية في غزة فإن الخروقات الإسرائيلية لاتفاق وقف إطلاق النار منذ أكتوبر الماضي أسفرت عن مقتل 857 فلسطينيًا وإصابة 2486 آخرين، وسط استمرار الغارات والقصف وإغلاق المعابر وعرقلة دخول الإمدادات الإنسانية والطبية الأساسية.
فيما يرى مراقبون أن إسرائيل تستخدم الحصار البحري والبري أداة لإخضاع سكان القطاع سياسيًا وإنسانيًا، مستفيدة من غياب ضغوط دولية حقيقية، بينما تكتفي الحكومات الغربية بتصريحات دبلوماسية لا تتجاوز حدود الدعوات العامة لخفض التصعيد أو حماية المدنيين.
وعلى المستوى الميداني تتزايد التحذيرات من انهيار كامل للخدمات الصحية داخل غزة بسبب نقص الوقود والأدوية وأجهزة الرعاية الحرجة، مع استمرار خروج مستشفيات ومراكز طبية عن الخدمة نتيجة القصف المباشر أو نفاد الإمدادات الأساسية خلال الأشهر الماضية.
وفي هذا السياق قال الطبيب الفلسطيني الدكتور مروان الهمص إن القطاع الصحي في غزة تجاوز مرحلة التحذير ودخل فعليًا مرحلة الانهيار، موضحًا أن استمرار الحصار ومنع دخول المساعدات يعني ارتفاعًا إضافيًا في أعداد الضحايا، خصوصًا بين الأطفال والمرضى والجرحى.
كذلك أكد الكاتب والمحلل السياسي ياسر الزعاترة أن تكرار محاولات كسر الحصار يعكس فقدان الثقة في المجتمع الدولي، لأن الناشطين باتوا مقتنعين بأن الحكومات الكبرى لن تتحرك لوقف الحرب أو حماية المدنيين، بينما تستمر إسرائيل في فرض الوقائع بالقوة العسكرية والحصار الجماعي.
وفي ظل استمرار التحركات البحرية والبرية تبدو المواجهة مفتوحة بين حملات التضامن الدولية وبين السياسات الإسرائيلية التي تعتمد على القوة لمنع أي اختراق للحصار، بينما يواصل سكان غزة مواجهة الحرب والتجويع والعزلة وسط عجز رسمي عربي ودولي عن فرض حماية حقيقية للمدنيين أو ضمان وصول المساعدات بصورة مستقرة.

