قالت المتحدثة باسم صندوق النقد الدولي جولي كوزاك أمش الخميس إن بعثة من خبراء الصندوق تتواجد حاليًا في مصر لإجراء المراجعة السابعة لبرنامج التسهيل الممدد وبرنامج المرونة والاستدامة، وهو ما يحدد إمكانية صرف 1.6 مليار دولار جديدة للحكومة المصرية خلال أشهر الصيف إذا انتهت المفاوضات باتفاق على مستوى الخبراء وموافقة مجلس الصندوق.
وربطت الأوساط الاقتصادية والسياسية الزيارة الجديدة باستمرار اعتماد حكومة عبد الفتاح السيسي على القروض الخارجية وسياسات صندوق النقد رغم الارتفاع الحاد في معدلات الفقر والأسعار والدين العام، بينما يخشى ملايين المصريين من موجة جديدة من الغلاء وخفض الدعم ورفع الأسعار مع كل مراجعة جديدة يجريها الصندوق مقابل الإفراج عن دفعات التمويل الدولاري.
بعثة صندوق النقد تبدأ المراجعة السابعة وسط تصاعد الدين
أكدت جولي كوزاك خلال مؤتمر صحفي أن بعثة صندوق النقد تناقش مع الحكومة المصرية أحدث مراجعات برنامجي التسهيل الممدد والمرونة والاستدامة، موضحة أن التوصل لاتفاق على مستوى الخبراء قد يسمح بعرض الملف على مجلس إدارة الصندوق خلال الصيف لصرف الشريحة الجديدة.
وأوضح صندوق النقد أن مصر تخضع حاليًا للمراجعة السابعة ضمن اتفاق التمويل الممتد البالغة قيمته 8 مليارات دولار، إلى جانب برنامج تمويل آخر بقيمة 1.3 مليار دولار يخص المرونة والاستدامة ودعم السياسات الاقتصادية المرتبطة بالمناخ والطاقة.
وفي السياق نفسه قال مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في الصندوق جهاد أزعور إن بعثة المؤسسة تعمل على مرحلتين تبدأان بالتحضير الفني للمراجعة ثم الانتقال إلى مفاوضات إتمامها مع الحكومة المصرية.
وأضاف أزعور أن المحادثات مع القاهرة تسير وفق الجدول الزمني المحدد، معتبرًا أن السياسات التي اتبعتها الحكومة والبنك المركزي ساعدت على احتواء الضغوط الاقتصادية الناتجة عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران والتوترات الإقليمية.
لكن الخبير الاقتصادي الدكتور ممدوح الولي انتقد استمرار الحكومة في التوسع بالاقتراض الخارجي دون معالجة حقيقية لأسباب الأزمة الاقتصادية، مؤكدًا أن كل دفعة جديدة من صندوق النقد ترتبط عمليًا بإجراءات تقشفية يتحمل المواطن تكلفتها المباشرة عبر الأسعار والكهرباء والضرائب وسعر الصرف.
وأشار الولي إلى أن إجمالي المبالغ التي حصلت عليها مصر من صندوق النقد وصل إلى نحو 5.207 مليار دولار حتى الآن، بينما تستمر أزمة نقص السيولة الدولارية وارتفاع الدين الخارجي واتساع فجوة الاستيراد، وهو ما يكشف محدودية تأثير القروض على تحسين الاقتصاد الحقيقي.
كما أوضح أن اعتماد الحكومة المتكرر على التمويل الخارجي يعكس فشل السياسات الاقتصادية القائمة على المشروعات الضخمة والإنفاق غير الإنتاجي، في وقت تواجه فيه قطاعات الصناعة والزراعة والاستثمار المحلي أزمات متفاقمة منذ سنوات.
وبحسب بيانات صندوق النقد حصلت مصر مؤخرًا على 2.3 مليار دولار ضمن المراجعتين الخامسة والسادسة، بالإضافة إلى 300 مليون دولار من آلية المرونة والاستدامة، وهو ما رفع إجمالي التمويلات المصروفة إلى أكثر من 5 مليارات دولار خلال فترة قصيرة.
فيما أشادت مديرة صندوق النقد كريستالينا جورجييفا بما وصفته بالإصلاحات الاقتصادية المصرية، خلال لقائها مع عبد الفتاح السيسي على هامش قمة “أفريكا فوروارد” في كينيا، مؤكدة استمرار الدعم القوي من المؤسسة الدولية للقاهرة.
الحكومة تروج للإصلاحات بينما يواجه المصريون موجات جديدة من الغلاء
واعتبر مسؤولون حكوميون أن إشادة صندوق النقد بالإجراءات الاقتصادية الأخيرة تمثل دليلاً على نجاح برنامج الإصلاح، خصوصًا بعد تعويم الجنيه ورفع أسعار الفائدة وتوسيع إجراءات تقليص الدعم خلال العامين الأخيرين.
لكن أستاذ الاقتصاد السياسي الدكتور أحمد ذكر الله قال إن الحكومة تتحدث باستمرار عن مؤشرات كلية وتحسن نسبي في بعض الأرقام، بينما يواجه المواطن تراجعًا حادًا في قدرته الشرائية نتيجة التضخم المستمر وارتفاع أسعار الغذاء والخدمات الأساسية بصورة غير مسبوقة.
وأضاف ذكر الله أن كل مراجعة يجريها صندوق النقد تحمل في خلفيتها مطالب غير معلنة تتعلق بمزيد من تحرير الأسعار وتقليص الإنفاق الاجتماعي وتوسيع دور القطاع الخاص وبيع الأصول الحكومية، وهو ما يؤدي عمليًا إلى تحميل الطبقات الفقيرة والمتوسطة كلفة الأزمة.
وأوضح أن حديث الصندوق عن “مرونة الأسواق” يعني فعليًا استمرار تقلبات سعر الجنيه ورفع الدعم التدريجي عن الطاقة والخدمات، مؤكدًا أن الحكومة تستخدم لغة فنية لتجميل إجراءات يعرف المواطن نتائجها مسبقًا من خلال تجارب السنوات الماضية.
وفي المقابل يواجه ملايين المصريين زيادات متلاحقة في أسعار الكهرباء والوقود والمواصلات والسلع الغذائية، بينما تتآكل الدخول الحقيقية بصورة متسارعة مع استمرار تراجع قيمة العملة المحلية أمام الدولار.
كما أكد جهاد أزعور أن مصر تحتاج إلى تسريع وتيرة الإصلاحات الاقتصادية لتقليل المخاطر وتخفيف حجم الديون، وهي التصريحات التي فسرها اقتصاديون باعتبارها تمهيدًا لمطالب إضافية تتعلق بالخصخصة ورفع الأسعار خلال الفترة المقبلة.
وأشار الباحث الاقتصادي الدكتور وائل النحاس إلى أن الصندوق يركز دائمًا على استقرار المؤشرات المالية وليس على مستويات المعيشة، موضحًا أن الحكومات التي تنفذ برامج الصندوق تلجأ غالبًا إلى زيادة الأعباء الضريبية وتقليص الدعم لتحقيق الأهداف المطلوبة.
وأضاف النحاس أن الحكومة المصرية رفعت أسعار خدمات متعددة خلال الشهور الماضية استجابة لشروط الإصلاح المالي، بينما لا تزال الإيرادات الدولارية من الاستثمار والتصدير والسياحة أقل من مستوى الاحتياجات الفعلية للاقتصاد.
فيما يرى مراقبون أن استمرار الإشادة الدولية بالسياسات الاقتصادية المصرية يتناقض مع الواقع المعيشي الذي يواجهه المواطن يوميًا، خاصة مع ارتفاع معدلات الفقر وتراجع القدرة على شراء الاحتياجات الأساسية وازدياد الاعتماد على الديون لتغطية النفقات العامة.
مخاوف من موجة تقشف جديدة مع اقتراب صرف الدفعة الجديدة
تتزايد المخاوف داخل الأوساط الاقتصادية من أن يؤدي اقتراب صرف الشريحة الجديدة إلى تسريع تنفيذ إجراءات اقتصادية إضافية تشمل زيادات جديدة في أسعار الوقود والكهرباء والخدمات الحكومية خلال النصف الثاني من 2026.
وأكد الخبير المصرفي الدكتور محمد عبد العال أن الحكومة أصبحت تعتمد على استمرار برنامج صندوق النقد باعتباره شهادة ثقة دولية تساعدها في جذب التمويلات والاستثمارات الخارجية، لكن هذا الاعتماد يضع الاقتصاد تحت ضغوط مستمرة لتنفيذ شروط أكثر قسوة.
وأوضح عبد العال أن الأسواق تراقب نتائج المراجعة السابعة باعتبارها مؤشرًا على قدرة الحكومة على الاستمرار في الوفاء بالتزاماتها تجاه الصندوق، خصوصًا في ظل التوترات الإقليمية وأزمة الدولار وارتفاع فاتورة الاستيراد والطاقة.
وفي الوقت نفسه أشادت جولي كوزاك بما وصفته بقدرة الحكومة المصرية على احتواء آثار الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، معتبرة أن السياسات الاقتصادية الحالية ساعدت في تخفيف الضغوط المالية خلال الفترة الأخيرة.
لكن اقتصاديين يرون أن الحكومة نجحت فقط في تأجيل بعض الأزمات وليس حلها، خاصة أن الديون الخارجية لا تزال مرتفعة بينما تواصل الدولة الاعتماد على بيع الأصول والقروض لسد الفجوات التمويلية المتكررة.
كما أشار تقرير الصندوق إلى أن بعثة الخبراء ستقيم خلال المراجعة مدى متانة النمو الاقتصادي في مصر، وسط تساؤلات متزايدة حول طبيعة هذا النمو ومدى انعكاسه على حياة المواطنين في ظل استمرار الأزمة المعيشية.
وأوضح الدكتور رشاد عبده أستاذ الاقتصاد الدولي أن نسب النمو المعلنة لا تعكس بالضرورة تحسنًا في أوضاع الأسر المصرية، لأن جزءًا كبيرًا من النشاط الاقتصادي يتركز في قطاعات لا توفر فرص عمل كافية ولا تحسن مستويات الدخل الحقيقي للمواطنين.
وأضاف عبده أن توسع الحكومة في الاقتراض الخارجي مع استمرار التضخم يضع الاقتصاد في دائرة مفرغة، حيث تستخدم القروض الجديدة لسداد التزامات سابقة وتمويل العجز بدلًا من بناء قاعدة إنتاجية قوية تقلل الحاجة إلى التمويل الأجنبي.
وفي ظل استمرار المفاوضات بين القاهرة وصندوق النقد تبدو الحكومة حريصة على تمرير المراجعة الجديدة سريعًا للحصول على التمويل المرتقب، بينما يترقب المصريون ما ستسفر عنه الشهور المقبلة من زيادات إضافية في الأسعار وأعباء معيشية جديدة.
ومع اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن “الإصلاح والاستقرار” والواقع الذي يعيشه المواطن في الأسواق والخدمات الأساسية تتزايد حالة القلق الشعبي من أن تتحول دفعات صندوق النقد المتلاحقة إلى بوابة دائمة لمزيد من الغلاء والتقشف وتآكل الطبقة الوسطى في مصر.

