كشفت بيانات مشروع الموازنة العامة المصرية للعام المالي المقبل عن ارتفاع مخصصات تشغيل الحي الحكومي بالعاصمة الإدارية الجديدة إلى أكثر من 12 مليار جنيه بنسبة زيادة بلغت نحو 177% مقارنة بالعام المالي الحالي، بعدما سجلت المخصصات السابقة نحو 4.35 مليارات جنيه، في وقت تواصل فيه الحكومة تطبيق سياسات تقشفية تشمل خفض الدعم ورفع أسعار الخدمات والطاقة على المواطنين.
أعادت الزيادة الجديدة في مخصصات العاصمة الإدارية فتح ملف أولويات الإنفاق الحكومي، بعدما طالبت الحكومة المواطنين خلال الشهور الماضية بترشيد استهلاك الكهرباء وتحمل أعباء الإصلاح الاقتصادي، بينما خصصت مليارات إضافية لتغطية نفقات الانتقال والصيانة وبدلات السكن للعاملين داخل الحي الحكومي، الأمر الذي أثار انتقادات واسعة بشأن تحميل المواطنين كلفة مشروع إداري لا تزال جدواه الاقتصادية محل نزاع.
مليارات جديدة لتشغيل الحي الحكومي رغم سياسات التقشف
أظهرت بيانات الموازنة الجديدة تخصيص نحو 7 مليارات جنيه تحت بند حق الانتفاع بمباني الحي الحكومي في العاصمة الإدارية، بعدما غاب هذا البند بالكامل عن موازنة العام المالي الجاري، وهو ما يعكس انتقال الحكومة إلى مرحلة تحميل الموازنة العامة تكلفة تشغيلية مباشرة للمقار الحكومية الجديدة.
كما خصصت الحكومة نحو 3.8 مليارات جنيه لأعمال الصيانة داخل الحي الحكومي، بالتزامن مع زيادة مخصصات بدلات الانتقال والسكن للعاملين المنتقلين إلى العاصمة الإدارية، حيث بلغت بدلات الانتقال نحو 678 مليون جنيه، بينما وصلت بدلات السكن إلى نحو 544 مليون جنيه خلال العام المالي المقبل.
وفي السياق ذاته، قال الخبير الاقتصادي مدحت نافع إن الأرقام الجديدة تكشف تحول العاصمة الإدارية من مشروع استثماري تروج له الحكومة باعتباره خارج الموازنة العامة إلى عبء تشغيلي دائم تتحمله الخزانة العامة بصورة مباشرة، خاصة مع تضخم تكلفة التشغيل والصيانة بعد انتقال الوزارات والمؤسسات الرسمية.
وأضاف نافع أن الحكومة قدمت المشروع لسنوات باعتباره نموذجاً يمول نفسه ذاتياً عبر بيع الأراضي والأصول، لكن الموازنة الحالية أظهرت أن الدولة بدأت فعلياً في ضخ مليارات الجنيهات سنوياً للحفاظ على تشغيل الحي الحكومي، وهو ما يتناقض مع خطاب ترشيد الإنفاق الذي تفرضه الحكومة على المواطنين.
كذلك جاءت هذه الزيادات في وقت تواجه فيه قطاعات واسعة من المصريين ضغوطاً معيشية متصاعدة نتيجة ارتفاع أسعار الكهرباء والوقود والسلع الأساسية، بينما تواصل الحكومة تقليص مخصصات الدعم الاجتماعي وربط أي زيادات في الأجور بإجراءات تقشفية جديدة تمس الإنفاق العام والخدمات الأساسية.
نموذج التمويل الحكومي يثير أسئلة الجدوى والشفافية
تدير شركة العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية الحي الحكومي بالعاصمة الجديدة، وهي شركة مملوكة بالكامل لجهات حكومية وسيادية، وتحصل على مقابل انتفاع سنوي من الحكومة نظير استخدام المباني الإدارية، ضمن نموذج تمويلي أعلنت السلطات أنه يستهدف استرداد تكلفة إنشاء العاصمة الإدارية خلال سنوات محددة.
وبحسب تقديرات حكومية سابقة، تراوحت تكلفة إنشاء العاصمة الإدارية بين 40 و60 مليار جنيه، بينما أكدت التصريحات الرسمية أن نموذج التمويل يعتمد على إدارة الأصول وبيع الأراضي والوحدات السكنية والتجارية، دون تحميل مباشر على الموازنة العامة للدولة خلال مراحل الإنشاء الأولى.
غير أن التغيرات الاقتصادية الحادة التي شهدتها مصر منذ تحرير سعر الصرف وارتفاع معدلات التضخم أعادت تشكيل الكلفة الحقيقية للمشروع، بعدما تضاعفت نفقات التشغيل والصيانة والطاقة، وهو ما انعكس بوضوح على الأرقام الجديدة الواردة في مشروع الموازنة العامة للعام المالي المقبل.
ومن جانبه، قال أستاذ الاقتصاد وائل النحاس إن الحكومة نقلت الوزارات إلى العاصمة الإدارية دون تقديم دراسة معلنة توضح الكلفة السنوية الفعلية للتشغيل مقارنة بالمقار الحكومية القديمة، موضحاً أن الدولة كانت تمتلك تلك المباني بالفعل دون تحمل أعباء إيجارية أو مقابل انتفاع سنوي.
وأشار النحاس إلى أن الحكومة أعادت تدوير الإنفاق العام عبر إنشاء منظومة إدارية جديدة تتطلب موازنات تشغيل مرتفعة، بينما تعاني قطاعات التعليم والصحة والدعم الغذائي من نقص التمويل، مؤكداً أن غياب البيانات التفصيلية الخاصة بإيرادات ومصروفات العاصمة الإدارية يوسع أزمة الثقة بين الحكومة والرأي العام.
وفي المقابل، استمرت الحكومة في الدفاع عن المشروع باعتباره نقلة إدارية وتنموية تستهدف تحديث الجهاز الحكومي وتحسين بيئة العمل، مشيرة إلى أن الانتقال إلى العاصمة الإدارية لم يحمل الموازنة العامة تكلفة الإنشاء بصورة مباشرة، مع الاعتماد على نموذج استرداد التكلفة عبر الاستخدام والإيجارات.
خبراء يطالبون بإدراج كامل نفقات العاصمة داخل الموازنة العامة
تصاعدت الانتقادات الاقتصادية بعد غياب بيانات تفصيلية معلنة حول الإيرادات الحقيقية التي تحققها العاصمة الإدارية، خاصة مع استمرار بيع أراضٍ ووحدات سكنية وتجارية تابعة لهيئة المجتمعات العمرانية دون إدراج كامل العوائد والمصروفات داخل بنود الموازنة العامة بصورة واضحة ومباشرة.
ويرى منتقدون أن غياب الشفافية المالية حول المشروعات القومية الكبرى يضعف قدرة البرلمان والرأي العام على تقييم جدوى الإنفاق الحكومي، خصوصاً في ظل اتساع الاقتراض المحلي والخارجي وارتفاع أعباء خدمة الدين التي تستحوذ على جزء كبير من الموازنة المصرية سنوياً.
وفي هذا الإطار، قال خبير الإدارة العامة محمد جودة إن استمرار إدارة العاصمة الإدارية عبر كيانات مالية منفصلة عن الموازنة العامة يخلق فجوة رقابية كبيرة، لأن حجم الالتزامات المالية الحقيقية لا يظهر بصورة كاملة داخل الحسابات الحكومية الرسمية.
وأضاف جودة أن تحميل الوزارات مخصصات إضافية لبدلات السكن والانتقال والصيانة بعد الانتقال إلى العاصمة الإدارية يؤكد أن المشروع لم يحقق حتى الآن أي خفض للنفقات التشغيلية، بل أدى إلى تضخم المصروفات الإدارية في وقت تواجه فيه الدولة أزمة سيولة وضغوطاً تمويلية متزايدة.
كما طالب خبراء اقتصاديون بدمج جميع الإيرادات والمصروفات المرتبطة بالعاصمة الإدارية داخل الموازنة الرسمية للدولة، بما يشمل عوائد بيع الأراضي وأقساط المشروعات العقارية وكلفة البنية التحتية والتشغيل، لضمان وجود صورة مالية دقيقة يمكن على أساسها تقييم كفاءة الإنفاق العام.
وفي الوقت نفسه، أثارت الزيادة الضخمة في مخصصات الحي الحكومي انتقادات داخل الأوساط السياسية والاقتصادية، بعدما اعتبر مراقبون أن الحكومة تفرض على المواطنين إجراءات تقشفية متتالية، بينما توسع إنفاقها على مشروع إداري لا تزال تكلفته الحقيقية وعوائده الاقتصادية غير واضحة للرأي العام حتى الآن.
وتتزامن هذه التطورات مع استمرار الضغوط الاقتصادية على ملايين المصريين نتيجة ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، بينما تواصل الحكومة الترويج للعاصمة الإدارية باعتبارها نموذجاً للتحديث والتنمية، رغم انتقال جزء متزايد من كلفتها التشغيلية إلى الموازنة العامة التي يتحمل المواطن أعباء تمويلها بصورة مباشرة.

