في مشهد يعكس حجم المأساة الإنسانية التي يعيشها السودان منذ اندلاع الحرب قبل أكثر من ثلاث سنوات، تحولت زيارة وفد من البرلمان الفرنسي إلى الخرطوم ودارفور إلى منصة مفتوحة لشهادات دامية رواها ناجون وضحايا حرب، كشفوا خلالها تفاصيل المجازر والحصار والانتهاكات التي ارتُكبت بحق المدنيين، وسط دعوات متزايدة داخل أوروبا لاتخاذ موقف أكثر صرامة تجاه قوات الدعم السريع.

 

الزيارة، التي وصفت بأنها الأولى من نوعها منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع المدعومة من الإمارات في أبريل 2023، حملت أبعادا سياسية وإنسانية واسعة، خاصة بعد تعهد مشرعين فرنسيين بالتحرك داخل المؤسسات الأوروبية لتصنيف قوات الدعم السريع “منظمة إرهابية”، في ظل تصاعد الاتهامات بارتكاب جرائم حرب وعمليات قتل جماعي واغتصاب ممنهج في إقليم دارفور ومناطق أخرى بالسودان.

 

شهادات من قلب المأساة

 

داخل فندق متضرر جنوب شرق العاصمة الخرطوم، اجتمع الوفد البرلماني الفرنسي مع قيادات سياسية وقبلية ومجتمعية، إلى جانب ضحايا وناجين من الحرب، خاصة من مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور، التي شهدت واحدة من أعنف المعارك خلال الشهور الماضية.

 

وخلال اللقاء، قدم المدير العام لمستشفى الفاشر الجنوبي عز الدين أحمد شهادة صادمة حول ما تعرضت له المدينة خلال الحصار، مؤكدا أن المستشفى أجرى أكثر من 12 ألف عملية جراحية في ظروف شديدة القسوة، بينما كانت قوات الدعم السريع تطلق نحو 140 قذيفة يوميا على المدينة.

 

وأشار إلى أن الهجمات لم تستثنِ المرافق الطبية، موضحا أن “المستشفى السعودي” تعرض لمجزرة دامية راح ضحيتها 469 قتيلا من المرضى ومرافقيهم، في واحدة من أكثر الحوادث التي أثارت الغضب داخل السودان وخارجه.

 

كما روى عدد من سكان الفاشر تفاصيل عمليات القتل الجماعي والتجويع والحصار، إضافة إلى رحلات النزوح القاسية بعد سيطرة قوات الدعم السريع على المدينة في أكتوبر الماضي.

 

جولات ميدانية وسط النازحين

 

الوفد الفرنسي، الذي ترأسه النائب كريستوف ماريون وضم عددا من أعضاء الجمعية الوطنية الفرنسية ورابطة الصداقة السودانية الفرنسية، أمضى أربعة أيام في السودان بدعوة من حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي.

 

وخلال الزيارة، تفقد الوفد مراكز إيواء النازحين في بورتسودان، كما زار مخيمات تؤوي الفارين من الفاشر في الولاية الشمالية، حيث استمع مباشرة إلى شهادات ضحايا تحدثوا عن “انتهاكات ممنهجة” وحصار استمر أكثر من 500 يوم، تسبب في أوضاع إنسانية كارثية.

 

وأجرى المشرعون الفرنسيون أيضا لقاءات مع رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، تركزت على الوضع الإنساني والانتهاكات التي طالت المدنيين ومؤسسات الدولة، وفقا لما أعلنه إعلام مجلس السيادة.

 

تحرك فرنسي لتصنيف الدعم السريع “إرهابية”

 

وفي تطور لافت، أعلن رئيس الوفد البرلماني الفرنسي كريستوف ماريون عزمه تقديم مقترح رسمي إلى الجمعية الوطنية الفرنسية بهدف الدفع نحو تصنيف قوات الدعم السريع “منظمة إرهابية” على المستوى الأوروبي.

 

وقال ماريون إن ما شاهده في الخرطوم ودارفور “يفوق الوصف”، مضيفا أنه أراد الحضور بنفسه “لرؤية حجم الدمار والتواصل مع الضحايا الذين تعرضوا لبطش قوات الدعم السريع”.

 

كما أعرب عن أمله في أن يزور وزير الخارجية الفرنسي الخرطوم قريبا، حتى “يسمع صرخة السودانيين ويرى حجم الخراب الذي خلفته الحرب”.

 

وتعكس هذه التصريحات تحولا لافتا في الخطاب الفرنسي تجاه الأزمة السودانية، خاصة في ظل اتهامات متزايدة داخل السودان لبعض العواصم الغربية بالتعامل “الضبابي” مع الحرب.

 

مناوي: لا سلام بلا عدالة

 

من جهته، أكد حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي أن دعوته للوفد الفرنسي جاءت بعد جولة أجراها في فرنسا وألمانيا خلال مارس الماضي، بهدف “تصحيح الصورة” لدى بعض الدوائر الأوروبية بشأن طبيعة الصراع في السودان.

 

وقال مناوي إن إنهاء الحرب يتطلب انسحاب قوات الدعم السريع من المدن وتسليم أسلحتها وإطلاق سراح الأسرى والمختطفين، مشددا على أن “السلام لا يمكن أن يتحقق من دون عدالة”.

 

وأضاف أن سكان دارفور “لن يقبلوا بالعفو” عن مرتكبي المجازر والانتهاكات، منتقدا ما وصفه بـ”صمت المجتمع الدولي” تجاه ما يجري في الإقليم.

 

قراءة سياسية للتحرك الفرنسي

 

ويرى مراقبون أن التحرك الفرنسي الأخير يعكس محاولة أوروبية لإعادة التموضع داخل الملف السوداني، بعد تزايد أدوار قوى إقليمية ودولية أخرى خلال السنوات الأخيرة.

 

وقال السفير السوداني السابق معاوية التوم إن زيارة الوفد تحمل “رسائل سياسية مهمة”، وتعكس رغبة باريس في بناء قنوات تواصل جديدة مع الأطراف السودانية والاطلاع المباشر على تعقيدات الأزمة.

 

وأشار إلى أن الخطوة قد تكون مقدمة لتحرك أوروبي أوسع، خاصة مع تنامي المخاوف من اتساع دائرة الحرب وتأثيراتها الإقليمية والأمنية.

 

بدوره، اعتبر الكاتب والمحلل السياسي عبد الملك النعيم أن فرنسا تمتلك نفوذا داخل الاتحاد الأوروبي والقارة الأفريقية، ويمكن أن تستخدمه للضغط على دول أفريقية تتهمها الخرطوم بالتقارب مع قوات الدعم السريع.

 

وأضاف أن الزيارة قد تدفع الحكومة الفرنسية إلى تبني مواقف أكثر دعما للسودان بعد سنوات من التراجع في العلاقات بين البلدين.

 

تحصينات عسكرية جديدة داخل مطار نيالا

 

بالتزامن مع التحركات السياسية، كشفت صور أقمار صناعية حديثة عن إنشاءات وتحصينات عسكرية جديدة داخل مطار نيالا بولاية جنوب دارفور، في مؤشر على تصاعد التوتر العسكري غربي السودان.

 

وأظهرت المقارنات البصرية بين صور التقطت في أبريل ومايو 2026 أعمال تحصين واسعة في الجهة الجنوبية للمطار، تضمنت إنشاء مواقع هندسية تشبه قواعد الدفاع الجوي، إلى جانب سواتر ترابية ومنشآت عسكرية مؤقتة قرب المدرج الرئيسي.

 

كما أظهرت صور حديثة آثار انفجارات أو حرائق داخل محيط المطار، على مساحة تقدر بأكثر من 10 آلاف متر مربع، وسط تقارير محلية تحدثت عن استهداف طائرة مسيرة تابعة للجيش السوداني لمخازن وقود ومركز دعم لوجستي تابع لقوات الدعم السريع قرب المطار.

 

ويعد مطار نيالا أحد أهم المواقع الإستراتيجية في إقليم دارفور، بعدما تحول منذ سيطرة قوات الدعم السريع عليه عام 2023 إلى مركز رئيسي لنقل الإمدادات والعتاد العسكري.

 

اغتصاب ممنهج ونساء يتمسكن بأطفال الحرب

 

وفي جانب آخر من المأساة السودانية، تتواصل الشهادات المروعة حول استخدام الاغتصاب كسلاح خلال الحرب، خاصة في دارفور والخرطوم.

 

وروت نساء ناجيات كيف قررن الاحتفاظ بأطفال أنجبنهم نتيجة اعتداءات جنسية تعرضن لها خلال النزاع، رغم الوصمة الاجتماعية القاسية.

 

وتقول نسمة، وهي شابة تبلغ من العمر 26 عاما، إنها تعرضت لاغتصاب جماعي على يد عناصر من قوات الدعم السريع أثناء محاولتها العودة إلى الخرطوم لاستخراج وثائق عائلية، قبل أن تكتشف لاحقا أنها حامل.

 

ورغم الصدمة، قررت الاحتفاظ بطفلها “لأنه لا ذنب له”، مؤكدة أن همها الوحيد الآن هو العثور على عمل يضمن لها تربية ابنها.

 

وفي دارفور، تتكرر القصص المأساوية بصورة يومية، حيث تحدثت ناجيات عن عمليات اغتصاب جماعي رافقت هجمات على مخيمات النازحين، خاصة في محيط الفاشر ومخيم زمزم.

 

وتحذر الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية من أن العنف الجنسي يُستخدم بشكل ممنهج “لتدمير النسيج الاجتماعي” في السودان، بينما تواجه آلاف النساء أوضاعا نفسية وإنسانية شديدة التعقيد، وسط ضعف الخدمات الطبية وغياب الحماية القانونية.

 

كما تؤكد تقارير أممية أن كثيرا من الضحايا لا يبلغن عما تعرضن له بسبب الخوف من الانتقام أو الوصمة الاجتماعية، في حين تواجه النساء اللاتي أنجبن أطفالا نتيجة الاغتصاب تحديات قانونية ومعيشية كبيرة، أبرزها صعوبة استخراج شهادات ميلاد لأطفالهن، ما يحرمهم من التعليم والرعاية الصحية والخدمات الأساسية.