شهد المسجد الأقصى المبارك صباح اليوم الخميس تصعيداً جديداً تمثل في تنفيذ مئات المستوطنين الإسرائيليين اقتحامات واسعة لباحاته، وسط حماية أمنية مشددة وفرتها قوات الاحتلال الإسرائيلي. وتأتي هذه الاقتحامات في ظل أجواء متوترة تشهدها مدينة القدس المحتلة، بالتزامن مع دعوات أطلقتها جماعات استيطانية متطرفة لإحياء ما يسمى بـ"الذكرى العبرية لاحتلال القدس" عام 1967.

 

وقد رافقت هذه الاقتحامات إجراءات مشددة بحق الفلسطينيين والمصلين، شملت منع الدخول والاعتداءات الجسدية والتضييق على موظفي الأوقاف وطلبة المدارس الشرعية.

 

شخصيات إسرائيلية بارزة تقود الاقتحامات

 

برز في مشهد اقتحام المسجد الأقصى عدد من الشخصيات الإسرائيلية المعروفة بتوجهاتها المتطرفة، من بينهم عضو الكنيست الإسرائيلي "أرييل كيلنر" والحاخام المتطرف "يهودا غليك". وقد شارك هؤلاء في جولات استفزازية داخل باحات المسجد، إلى جانب مجموعات كبيرة من المستوطنين الذين أدوا طقوساً وشعائر تلمودية تحت حماية قوات الاحتلال.

 

ويُعد ظهور هذه الشخصيات داخل الأقصى رسالة سياسية ودينية تحمل أبعاداً خطيرة، خاصة أن الاقتحامات لم تعد تقتصر على مجموعات صغيرة من المستوطنين، بل أصبحت تتم بشكل منظم وبرعاية رسمية من سلطات الاحتلال، الأمر الذي يزيد من حالة التوتر والاحتقان في المدينة المقدسة.

 

تفاصيل الاقتحامات داخل باحات الأقصى

 

بحسب بيانات صادرة عن محافظة القدس الفلسطينية، بدأت الاقتحامات منذ ساعات الصباح الباكر، حيث وفرت القوات الخاصة الإسرائيلية الحماية الكاملة للمستوطنين أثناء تجولهم داخل المسجد الأقصى. وأكدت مصادر من دائرة الأوقاف الإسلامية أن الساعات الثلاث الأولى فقط شهدت اقتحام 422 مستوطناً لباحات المسجد، في مؤشر على حجم التصعيد غير المسبوق.

 

وتتم هذه الاقتحامات وفق جدول زمني تفرضه سلطات الاحتلال بشكل أسبوعي من يوم الأحد حتى الخميس، حيث تُقسم إلى فترتين: الفترة الصباحية الممتدة من الساعة السابعة والنصف صباحاً حتى الحادية عشرة والنصف، والفترة المسائية من الساعة الواحدة والنصف ظهراً حتى الثالثة بعد الظهر. ويعتبر الفلسطينيون هذا التنظيم محاولة لفرض واقع جديد داخل المسجد وتقنين الاقتحامات بشكل دائم.

 

دعوات استيطانية لتكثيف الانتهاكات

 

أوضحت محافظة القدس أن الاقتحامات المكثفة جاءت استجابة مباشرة لدعوات أطلقتها جماعات استيطانية متطرفة حثّت خلالها المستوطنين على المشاركة الواسعة في اقتحام المسجد الأقصى تزامناً مع ذكرى احتلال القدس. وتسعى هذه الجماعات إلى تكريس الوجود الاستيطاني داخل المسجد وإظهار سيطرة الاحتلال على المدينة المقدسة.

 

وخلال الاقتحامات، عقد الحاخام المتطرف "يهودا غليك" حلقة دراسية تعليمية في المنطقة الشرقية من باحات المسجد الأقصى، في خطوة وصفها الفلسطينيون بأنها استفزازية وتهدف إلى فرض طقوس دينية يهودية داخل المسجد.

 

ولم يكن هذا التصعيد مفاجئاً، إذ سبقه يوم أمس الأربعاء اقتحام نفذه وزير النقب والجليل الإسرائيلي "يتسحاق فاسرلاوف"، المنتمي إلى حزب "القوة اليهودية" اليميني المتطرف الذي يتزعمه إيتمار بن غفير، ما اعتبره مراقبون تمهيداً للتصعيد الكبير الذي شهده المسجد اليوم.

 

قيود مشددة بحق الفلسطينيين والمصلين

 

في المقابل، فرضت شرطة الاحتلال الإسرائيلي إجراءات مشددة بحق الفلسطينيين ومنعت أعداداً كبيرة منهم من الوصول إلى المسجد الأقصى. وشملت هذه القيود تحديد أعمار المسموح لهم بالدخول، حيث مُنع الرجال الذين تقل أعمارهم عن 60 عاماً والنساء اللواتي تقل أعمارهن عن 50 عاماً من دخول المسجد منذ ساعات الفجر.

 

كما تعرض عدد من الرجال والنساء لاعتداءات جسدية عند بوابات المسجد الخارجية، حيث قامت قوات الاحتلال بدفعهم وضربهم لمنعهم من الوصول إلى باحات الأقصى. ولم تقتصر الإجراءات على المصلين فقط، بل شملت أيضاً موظفي دائرة الأوقاف الإسلامية وطلبة المدرسة الشرعية، الذين أُجبروا على البقاء محتجزين داخل المصليات ومنعوا من الحركة بحرية.

 

تصاعد التوتر في القدس المحتلة

 

تعكس هذه التطورات حالة التصعيد المستمرة في مدينة القدس، خاصة في ظل تزايد اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى وتكرار الإجراءات القمعية بحق الفلسطينيين. ويرى مراقبون أن استمرار هذه السياسات من شأنه أن يزيد من حدة التوتر في المدينة ويفاقم حالة الاحتقان الديني والسياسي، خصوصاً مع ارتباط المسجد الأقصى بمكانة دينية وتاريخية حساسة لدى المسلمين حول العالم.

 

ويؤكد الفلسطينيون أن الاقتحامات المتكررة تمثل انتهاكاً واضحاً لقدسية المسجد الأقصى ومحاولة لفرض واقع جديد بالقوة، في وقت تتواصل فيه الدعوات الفلسطينية والعربية والإسلامية لوقف هذه الانتهاكات وحماية المقدسات الإسلامية في القدس المحتلة.