كشفت تقارير إيرانية عن بدء السماح لسفن صينية بالعبور عبر مضيق هرمز وفق تفاهمات خاصة مع طهران، في خطوة تعكس تحولات متسارعة في توازنات الملاحة والطاقة في الخليج، وسط مراقبة أمريكية حذرة وتحركات صينية متزايدة لتأمين تدفق النفط بعيداً عن أي اضطرابات محتملة.
وقالت وكالة “فارس” الإيرانية شبه الرسمية، نقلاً عن مصدر مطلع، إنّ إيران بدأت بالفعل منذ أمس الأربعاء السماح لبعض السفن الصينية بالمرور عبر مضيق هرمز، بعد التوصل إلى تفاهمات تتعلق ببروتوكولات إدارة الممر المائي الحيوي، دون الكشف عن طبيعة هذه التفاهمات أو الأطراف المشاركة فيها.
ويُنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها مؤشراً على تنامي التنسيق الإيراني ـ الصيني في واحدة من أكثر النقاط الاستراتيجية حساسية في العالم، خاصة في ظل التصعيد الإقليمي الذي شهدته المنطقة خلال الأشهر الماضية، والحرب التي دارت بين إيران من جهة، والولايات المتحدة و"إسرائيل" من جهة أخرى، قبل أن تتوقف بهدنة لا تزال هشة وقابلة للانفجار في أي لحظة.
هرمز.. شريان الطاقة العالمي
ويُعد مضيق هرمز أحد أهم الممرات البحرية في العالم، إذ يمر عبره ما يقارب خُمس تجارة النفط العالمية يومياً، ما يجعله مركزاً رئيسياً لأمن الطاقة العالمي، وأحد أبرز الملفات التي تتحكم في أسعار النفط والشحن والتأمين البحري.
وخلال السنوات الماضية، تحوّل المضيق إلى ورقة ضغط استراتيجية بيد طهران، التي لوّحت أكثر من مرة بإغلاقه أو فرض قيود على الملاحة فيه رداً على العقوبات الأمريكية أو أي تصعيد عسكري ضدها.
لكن التطور الجديد المرتبط بالسفن الصينية يكشف عن مسار مختلف، يقوم على إدارة انتقائية لحركة الملاحة، بما يخدم الحلفاء والشركاء الاقتصاديين لطهران، وفي مقدمتهم بكين التي تعتمد بشكل كبير على النفط القادم من الخليج.
واشنطن: الصين أكبر المستفيدين
وفي أول تعليق أمريكي على هذه التطورات، قال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إنّ الصين ستكون من أكبر المستفيدين من إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً، مؤكداً أنّ بكين تملك مصلحة استراتيجية مباشرة في منع أي اضطراب بالممر البحري.
وأضاف بيسنت، خلال مقابلة مع شبكة “سي إن بي سي”، أثناء مرافقته للرئيس الأمريكي دونالد ترامب في زيارته إلى الصين، أنّ بكين “ستبذل كل ما بوسعها لضمان استمرار حركة الملاحة”، موضحاً أنّ الصين ستتحرك “خلف الكواليس مع أي جهة لها تأثير على القيادة الإيرانية” للحفاظ على استقرار المضيق.
وتكشف تصريحات المسؤول الأمريكي عن إدراك متزايد داخل واشنطن لحجم النفوذ الصيني المتصاعد في الخليج، ليس فقط اقتصادياً عبر الاستثمارات والطاقة، بل أيضاً سياسياً وأمنياً من خلال التفاهمات غير المعلنة مع طهران.
اتفاق أمريكي ـ صيني على إبقاء المضيق مفتوحاً
وفي السياق ذاته، أعلن البيت الأبيض أنّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ اتفقا، خلال لقائهما في بكين، على ضرورة إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً أمام الملاحة الدولية.
وأكدت الرئاسة الأمريكية أنّ الجانبين شددا على أهمية “ضمان التدفق الحر لمنتجات الطاقة”، في إشارة واضحة إلى المخاوف العالمية من أي تعطيل لحركة النفط القادمة من الخليج.
كما نقل البيت الأبيض عن شي جين بينغ اهتمام بلاده بشراء المزيد من النفط الأمريكي، في إطار مساعٍ صينية لتقليل الاعتماد على الإمدادات التي تمر عبر مضيق هرمز، وهو ما يعكس قلقاً صينياً متزايداً من هشاشة الوضع الأمني في المنطقة.
في المقابل، لم تتطرق الرواية الصينية الرسمية إلى هذه النقطة، ما يعكس استمرار الحذر الصيني في التعامل الإعلامي مع الملفات المرتبطة بإيران والطاقة والأمن البحري.
رفض صيني لـ”عسكرة” المضيق
وبحسب البيان الأمريكي، فإنّ الرئيس الصيني عبّر أيضاً عن رفض بلاده “عسكرة” مضيق هرمز أو فرض رسوم عبور فيه، في موقف يتماشى مع السياسة الصينية التقليدية الداعية إلى حماية حرية الملاحة وضمان انسياب التجارة العالمية.
ويُنظر إلى هذا الموقف باعتباره رسالة مزدوجة؛ فمن جهة تسعى بكين إلى طمأنة الأسواق العالمية بأنها تدعم الاستقرار البحري، ومن جهة أخرى تحاول الحفاظ على علاقاتها الاستراتيجية مع إيران التي أصبحت أحد أبرز شركائها في مجال الطاقة.
ويأتي ذلك بالتزامن مع تنامي الحديث داخل الأوساط الغربية عن إمكانية تحوّل الصين إلى لاعب رئيسي في أمن الخليج، في ظل تراجع الثقة الإقليمية بالحماية الأمريكية التقليدية.

