أعلن رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، أن الحكومة تدرس بدء تطبيق الدعم النقدي اعتبارا من العام المالي المقبل 2027/2026، مؤكدا متابعة الملف مع وزيري التضامن والتموين والجهات المعنية لوضع خريطة تنفيذية لنقل منظومة الدعم إلى شكل جديد.
وتفتح هذه الخطوة بابا خطيرا أمام ملايين الأسر التي تعتمد على الخبز والسلع التموينية، لأن تحويل الدعم إلى مبلغ نقدي ثابت وسط فوضى الأسعار قد يعني تقليصا فعليا للحماية الاجتماعية، حتى لو قدمته الحكومة باعتباره تطويرا إداريا أو وسيلة لضمان وصول الدعم لمستحقيه.
الدعم النقدي يبدأ من وعد الكفاءة وينتهي عند جيب المواطن
في البداية، تقدم الحكومة التحول إلى الدعم النقدي باعتباره وسيلة لوقف الهدر وتحسين الاستهداف، لكن هذا الخطاب يتجاهل أن المواطن لا يشتري الخبز والزيت والسكر من ملفات حكومية منظمة، بل يواجه سوقا متقلبة ترفع الأسعار بسرعة أكبر من أي زيادة نقدية مقررة.
بعد ذلك، يصبح الخطر في أن الدولة ستنقل عبء تقلب الأسعار من الموازنة إلى الأسرة، فالدعم العيني يضمن سلعة أو سعرا محددا، أما الدعم النقدي فيمنح مبلغا قد يفقد قيمته خلال أسابيع إذا ارتفعت أسعار الغذاء أو الوقود أو النقل.
ثم تظهر خطورة التوقيت، لأن التحول المقترح يأتي بعد موجات غلاء متتابعة مست أسعار الخبز الحر والسلع الأساسية والخدمات، ومع أي ارتفاع جديد في الوقود أو الكهرباء سيتراجع الأثر الحقيقي للمبلغ النقدي، ويصبح المواطن مسؤولا وحده عن فجوة لا يملك سدها.
وفي هذا المحور، تخدم حنان رمسيس، الخبيرة الاقتصادية، زاوية تآكل القيمة الشرائية للدعم، إذ حذرت من تحويل الدعم العيني إلى نقدي في توقيت تضطرب فيه سلاسل الإمداد وترتفع أسعار السلع، ووصفت الأموال النقدية بأنها قد تتبخر أمام حركة السوق.
لذلك لا تبدو المشكلة في اسم النظام الجديد، بل في قدرته على حماية الفقراء من السوق، فإذا لم تربط الحكومة قيمة الدعم النقدي بالتضخم شهريا وبأسعار الغذاء فعليا، فإن التحول سيصبح خفضا مستترا للدعم لا إصلاحا اجتماعيا كما تقول البيانات الرسمية.
الخبز والتموين ليسا رقما في الموازنة بل شبكة نجاة يومية
على مستوى الأرقام، تغطي منظومة الخبز والسلع التموينية عشرات الملايين من المواطنين، إذ تشير بيانات منشورة إلى أن دعم الخبز يصل إلى نحو 68 مليون مواطن، بينما يستفيد من السلع التموينية نحو 61 مليون مواطن، ما يجعل أي تغيير في المنظومة قرارا يمس بيتا واسعا من المصريين.
وبناء على ذلك، لا يمكن التعامل مع الدعم النقدي كإجراء محاسبي داخل الموازنة، لأن الرغيف المدعم والسلع التموينية يمسكان الحد الأدنى لغذاء الأسر محدودة الدخل، وأي اضطراب في الصرف أو الاستهداف أو التحديث الرقمي سيحرم أسرا من حماية لا تملك بديلا عنها.
كما تكشف بيانات وزارة التموين عن دعم يقدر بنحو 160 مليار جنيه للخبز والسلع في موازنة 2026/2025، بينها نحو 124 مليار جنيه للخبز، وهذا الحجم المالي يوضح أن الحكومة لا تناقش بندا صغيرا، بل تعيد صياغة أكبر شبكة غذائية يومية في البلاد.
وفي هذا السياق، يخدم إلهامي الميرغني، الباحث الاقتصادي، محور الحماية الاجتماعية، لأنه يؤكد في دراساته أن الدعم العيني يلعب دورا أساسيا في تخفيف الفقر، وأن إلغاءه أو تحويله دون ضمانات لن يحسن العجز بل سيزيد معاناة الفقراء.
لذلك سيصبح معيار الحكم على خطة مدبولي واضحا، هل سيضمن المواطن رغيفا وسلعا تكفي حدوده الدنيا، أم سيحصل على مبلغ نقدي يتآكل أمام تاجر يرفع السعر ومواصلات ترتفع وفاتورة كهرباء تزيد، بينما تكتفي الحكومة بالقول إنها حسنت كفاءة التوزيع.
التحول دون رقابة يفتح باب الاستبعاد وفوضى الأسعار
من ناحية التنفيذ، لا تقف الأزمة عند التضخم وحده، لأن الدعم النقدي يحتاج قواعد بيانات دقيقة وآلية تظلم سريعة وصرفا منتظما وربطا واضحا بعدد أفراد الأسرة، وأي خطأ في هذه السلسلة سيحول الدعم من حق مستقر إلى منحة قابلة للتأخير أو الحذف.
ثم يزداد الخطر عندما تعتمد الحكومة على تنقية البطاقات والاستهداف دون شفافية كافية، لأن تجارب الحذف السابقة أثبتت أن الأسر الفقيرة قد تسقط من قواعد البيانات بسبب أخطاء في الدخل أو الكهرباء أو الهاتف أو الملكية، ثم تحتاج شهورا لاستعادة حقها.
وفي هذا المحور، يخدم عبد الحافظ الصاوي، الخبير الاقتصادي، زاوية الفقر والغلاء، إذ حذر من ترك المواطنين وخاصة الطبقات الفقيرة فريسة للغلاء مع ارتفاع أعداد الفقراء، وربط تآكل الدعم النقدي التمويني بمعدلات التضخم وسعر صرف الجنيه.
كذلك لا تملك الأسواق المصرية رقابة كافية تمنع امتصاص الدعم النقدي بمجرد رفع الأسعار، فإذا علم التجار أن ملايين المواطنين حصلوا على مبالغ شهرية جديدة، قد ترتفع أسعار السلع الأساسية تدريجيا، فتذهب الزيادة إلى السوق لا إلى مائدة الأسرة الفقيرة.
وبالتالي، يحتاج أي تحول حقيقي إلى ضمانات معلنة، منها ربط قيمة الدعم بمؤشر أسعار السلع الأساسية، وتثبيت سعر الخبز للفئات الأشد فقرا، ومنع حذف المستحقين إلا بعد إخطار وتظلم، ونشر بيانات شهرية عن الشكاوى والاستبعادات والتأخيرات ومعدلات الصرف.
وفي الخاتمة، لا يقدم إعلان مدبولي إجابة كافية عن سؤال الفقراء الأساسي، كم سيحصل المواطن؟ ومتى؟ وهل سيزيد المبلغ تلقائيا مع الغلاء؟ ومن يحمي الأسرة إذا ارتفع الخبز والزيت والسكر قبل تحديث قيمة الدعم؟ هذه الأسئلة تحدد مصير القرار لا لغة المؤتمرات.
لذلك تبدو خطة الدعم النقدي، في ظل فوضى الأسعار الحالية، أقرب إلى نقل الخطر من الدولة إلى المواطن، فإذا طبقتها الحكومة دون ضمانات قوية ستتحول من إصلاح معلن إلى تقليص فعلي للدعم، وسيجد الفقير نفسه أمام مبلغ صغير وسوق لا يرحم.

