كشفت التحركات الأمريكية الأخيرة، في مايو 2026، عن محاولة فرض اتفاق سريع لإنهاء الحرب مع إيران عبر مذكرة من 14 بندا، تشمل وقف التخصيب ورفع العقوبات وتخفيف القيود على مضيق هرمز، بينما تواصل إسرائيل ضرباتها في لبنان وتتمسك طهران بشروط السيادة والضمانات ورفع الحصار.
وتضع هذه الأجندات الثلاث المنطقة أمام معادلة قاسية، فواشنطن تريد إنهاء الحرب بشروط المنتصر، وتل أبيب تريد وقف إيران دون إنهاء جبهات الضغط، وطهران تريد تحويل الصمود العسكري إلى مكاسب سياسية، بينما يدفع المدنيون في إيران ولبنان والخليج ثمن المساومات المفتوحة.
الأجندة الأمريكية تريد إنهاء الحرب باتفاق مشروط لا بتسوية متكافئة
في البداية تتحرك واشنطن من زاوية واضحة، فهي تريد وقفا للحرب يحفظ صورة القوة الأمريكية، ويعيد فتح مضيق هرمز، ويخفض ضغط أسعار النفط، ويمنح البيت الأبيض ورقة تفاوض نووية جديدة، لذلك لا تعرض الولايات المتحدة سلاما كاملا بقدر ما تعرض تهدئة مشروطة بسلوك إيران.
وبحسب ما نقلته رويترز عن تقرير أكسيوس، تقترب واشنطن وطهران من مذكرة تفاهم من صفحة واحدة و14 بندا، وتشمل وقف تخصيب اليورانيوم مؤقتا ورفع العقوبات والإفراج عن أصول إيرانية مجمدة وتخفيف القيود على الملاحة في مضيق هرمز خلال فترة تفاوض تمتد 30 يوما.
ثم يظهر جوهر الضغط في تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي قال إن الحرب يمكن أن تنتهي إذا وافقت إيران على المقترح المطروح، لكنه هدد باستئناف العمليات العسكرية بكثافة أكبر إذا رفضت طهران، وبذلك تتحول الدبلوماسية الأمريكية إلى إنذار عسكري مؤجل لا مسار سلام ثابت.
وفي هذا المحور يخدم رأي فالي نصر، أستاذ دراسات الشرق الأوسط والسياسة الدولية، قراءة الأجندة الأمريكية، لأنه يرى أن واشنطن تستخدم العقوبات والضربات العسكرية لانتزاع تنازلات إيرانية، لكنها تصطدم دائما بسؤال الضمانات، لأن طهران لا تثق في اتفاق يمكن تغييره بقرار أمريكي لاحق.
لذلك يبدو هدف واشنطن مزدوجا، فهي لا تريد حربا مفتوحة تستنزف القوات والأسواق، لكنها لا تريد أيضا اتفاقا يظهر إيران كطرف صامد انتزع رفع العقوبات بالقوة، ولهذا تضع الولايات المتحدة حق العودة إلى القصف داخل منطق التفاوض نفسه كي يبقى الاتفاق تحت التهديد.
الأجندة الإسرائيلية ترفض وقف الجبهات وتبحث عن نصر ممتد
في المقابل تبدو تل أبيب أقل اندفاعا نحو وقف شامل، لأن الحكومة الإسرائيلية تريد إبقاء الضغط العسكري على إيران وحلفائها، خصوصا في لبنان، وتتعامل مع أي تهدئة أمريكية إيرانية باعتبارها محطة اضطرارية لا نهاية للحملة، لذلك تواصل إسرائيل ضربات تكسر منطق الهدنة الإقليمية.
وجاءت الضربة الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت، في 6 مايو 2026، لتكشف أن تل أبيب تفصل بين وقف الحرب مع إيران وبين استمرار الحرب على حزب الله، حيث استهدفت قائدا في قوة الرضوان، وهددت بذلك هدنة هشة كانت قائمة منذ منتصف أبريل.
بعد ذلك يصبح الموقف الإسرائيلي أكثر وضوحا، فتل أبيب تريد أن تشمل التسوية إضعاف الصواريخ والمسيّرات وشبكات الحلفاء، لا مجرد وقف تخصيب أو فتح هرمز، لأنها ترى أن أي اتفاق نووي لا يلامس لبنان والعراق واليمن سيمنح إيران مساحة لإعادة بناء نفوذها.
وهنا يخدم رأي دانيال ليفي، الدبلوماسي الإسرائيلي السابق ورئيس مشروع الولايات المتحدة والشرق الأوسط، زاوية الأجندة الإسرائيلية، لأنه ينتقد اعتماد إسرائيل على القوة المطلقة ويرى أن حكوماتها تستخدم الأمن ذريعة لتوسيع الحرب بدل معالجة جذورها السياسية ووقف إنتاج جبهات جديدة.
بناء على ذلك لا تريد إسرائيل نهاية سريعة للحرب إذا كانت النهاية تمنح إيران اعترافا ضمنيا بدورها الإقليمي، بل تريد اتفاقا يربط النووي بالصواريخ والحلفاء والحدود اللبنانية، وهذا الشرط يرفع كلفة التسوية ويمنح المتشددين داخل واشنطن وتل أبيب مبررا لاستئناف القتال.
الأجندة الإيرانية تريد وقف القصف مقابل رفع الحصار وضمان السيادة
على الجانب الإيراني، لا تبدو طهران مستعدة لقبول وقف نار يصور الحرب كهزيمة، لأنها تريد ربط إنهاء القتال برفع العقوبات وإعادة الأصول المجمدة وضمان عدم تكرار الهجمات الأمريكية والإسرائيلية، كما تريد استعادة موقعها في الخليج عبر ملف مضيق هرمز لا عبر تنازل مجاني.
وبحسب التقارير المتداولة، تدرس إيران المقترح الأمريكي لكنها تتمسك بوصف السلام العادل، بينما تشير مواقف إيرانية إلى أن وقف التخصيب أو فتح هرمز لا يمكن أن يجري من طرف واحد، لأن طهران تريد مقابلا سياسيا واقتصاديا واضحا يبرر وقف التصعيد أمام جمهورها ومؤسساتها.
كما تستفيد إيران من دور الصين وباكستان والوسطاء الإقليميين، لأن تدويل الوساطة يمنع واشنطن من احتكار صياغة نهاية الحرب، ويمنح طهران فرصة لربط الممرات النفطية بالعقوبات والسيادة والأمن، بدلا من حصر التفاوض في مطلب أمريكي واحد بشأن التخصيب النووي.
وفي هذا المحور يخدم رأي تريتا بارسي، نائب رئيس معهد كوينسي ومؤلف كتب عن العلاقات الأمريكية الإيرانية، زاوية الحساب الإيراني، لأنه يؤكد عادة أن سياسة الضغط الأقصى لا تدفع إيران إلى الاستسلام، بل تدفعها إلى رفع كلفة المواجهة حتى يصبح التفاوض ضرورة للطرفين.
لذلك تراهن طهران على أن استمرار إغلاق أو اضطراب هرمز يمنحها ورقة ضغط اقتصادية عالمية، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن إطالة الحرب قد تفتح عليها ضربات أوسع داخل إيران وحولها، ولهذا تبدو مستعدة لتسوية توقف القصف إذا ضمنت رفع العقوبات والاعتراف بمصالحها.
اتفاق هش وحرب قابلة للاشتعال
في النهاية تكشف المقارنة أن واشنطن تريد اتفاقا قصيرا يفتح الطريق لمفاوضات أطول، وأن إسرائيل تريد تحويل الحرب إلى تفكيك شامل لقوة إيران الإقليمية، وأن طهران تريد وقف القصف والحصار معا، ولذلك لا يتوقف مصير الحرب عند بند واحد بل عند ترتيب الأولويات بين الأطراف.
وعلى هذا الأساس تبدو فرصة إنهاء الحرب موجودة لكنها محاصرة بشروط متناقضة، فالمذكرة الأمريكية قد توقف النار 30 يوما، لكنها لن تنجح إذا تعاملت مع إيران كطرف مهزوم، ولن تصمد إذا واصلت إسرائيل ضرب لبنان أو إذا بقي حق واشنطن في العودة للقصف مفتوحا فوق الاتفاق.
لذلك يبقى السيناريو الأخطر أن تتحول التهدئة إلى استراحة عمليات، تستغلها واشنطن لتثبيت شروطها، وتستخدمها إسرائيل لمواصلة ضرب حلفاء إيران، وتوظفها طهران لتحسين شروطها حول هرمز والعقوبات، وعند أول خرق كبير ستعود الحرب بصيغة أعنف من الجولة الحالية.
وتؤكد الوقائع أن إنهاء الحرب يحتاج صفقة تعالج 3 ملفات معا، وقف الهجمات الأمريكية والإسرائيلية، رفع تدريجي للعقوبات مقابل قيود نووية واضحة، ووقف توسيع الجبهات في لبنان والخليج، أما تجاهل أي ملف منها فسيجعل الحرب مؤجلة لا منتهية.

