كشفت شبكة سي إن إن، نقلا عن مصدر إسرائيلي، أن إسرائيل تشعر بقلق من احتمال تقديم واشنطن تنازلات في اللحظات الأخيرة للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب مع إيران، بينما يجري بنيامين نتنياهو محادثات مع مسؤولين في إدارة دونالد ترامب لفهم اتجاه المفاوضات الأمريكية الإيرانية.

 

وتضع هذه التسريبات العلاقة الأمريكية الإسرائيلية أمام اختبار واضح، لأن تل أبيب لا تخشى توقف القتال فقط، بل تخشى اتفاقا يمنح طهران رفعا للعقوبات أو تخفيفا للحصار أو اعترافا بدورها الإقليمي، بينما يدفع سكان إيران ولبنان والخليج ثمن حرب تستخدمها الحكومات كورقة تفاوض.

 

إسرائيل تخشى اتفاقا أمريكيا يوقف الحرب دون كسر إيران

 

في البداية يظهر القلق الإسرائيلي من زاوية محددة، فتل أبيب لا تريد اتفاقا يوقف القصف مقابل تعهدات إيرانية مؤقتة، بل تريد ترتيبا يضمن إضعاف البرنامج النووي والصواريخ وشبكات الحلفاء، لذلك ترى أي تنازل أمريكي لطهران خطرا على نتائج الحرب التي شاركت في دفعها.

 

بعد ذلك، جاءت محادثات نتنياهو مع مسؤولين في إدارة ترامب لتكشف أن إسرائيل لا تكتفي بمتابعة المفاوضات من الخارج، بل تحاول التأثير في شروطها الأخيرة، لأن الاتفاق المحتمل قد يحسم وضع التخصيب والعقوبات ومضيق هرمز من دون منح تل أبيب كل ما تريده.

 

ثم تكشف تقارير رويترز وأكسيوس أن واشنطن وطهران تقتربان من مذكرة من صفحة واحدة تضم 14 بندا، وتشمل وقفا مؤقتا للتخصيب ورفعا للعقوبات وإفراجا عن أصول مجمدة وفتح تفاوض لمدة 30 يوما، وهي عناصر تفسر لماذا تخشى إسرائيل التنازل الأمريكي.

 

وفي هذا المحور، يخدم دانيال ليفي، الدبلوماسي الإسرائيلي السابق ورئيس مشروع الولايات المتحدة والشرق الأوسط، زاوية الاعتراض الإسرائيلي، لأنه يرى أن الحكومات الإسرائيلية تميل إلى تحويل الأمن إلى تفويض مفتوح للحرب، بدل قبول تسوية سياسية تحد من التهديد وتوقف النزيف الإقليمي.

 

لذلك لا يتعلق الخلاف بين واشنطن وتل أبيب بالسؤال عن خطر إيران فقط، بل بطريقة إدارة هذا الخطر، فواشنطن تريد اتفاقا يمنع توسع الحرب ويحمي الممرات النفطية، بينما تريد إسرائيل نهاية لا تترك لطهران قدرة على ادعاء الصمود أو استعادة نفوذها بعد القتال.

 

واشنطن تبحث عن مخرج سريع يحفظ القوة ويخفض كلفة الحرب

 

في المقابل، تتحرك الإدارة الأمريكية تحت ضغط مختلف، لأن استمرار الحرب يهدد مضيق هرمز وأسواق النفط والقواعد الأمريكية والحلفاء الخليجيين، ولذلك يعرض ترامب اتفاقا ينهي الحرب إذا قبلت إيران الشروط المطروحة، مع تهديده باستئناف الضربات بصورة أشد إذا رفضت طهران.

 

وبناء على ذلك، تبدو واشنطن كأنها تريد وقف القتال دون الاعتراف بفشل الضغط العسكري، فتجمع بين عرض رفع العقوبات والإفراج عن أموال مجمدة، وبين إبقاء التهديد بالقصف داخل الخطاب السياسي، وهذا الأسلوب يمنحها مخرجا تفاوضيا لكنه لا يصنع ثقة كافية لدى طهران.

 

كما أن ملف مضيق هرمز يضغط على البيت الأبيض بصورة مباشرة، لأن اضطراب الملاحة يرفع كلفة النفط والتأمين والشحن، ويجعل الحرب عبئا على الاقتصاد العالمي، لذلك تريد واشنطن فتح الممر البحري بسرعة حتى لو رأت إسرائيل أن ذلك يمنح إيران ورقة قوة.

 

وهنا يخدم فالي نصر، أستاذ السياسة الدولية ودراسات الشرق الأوسط، قراءة الحساب الأمريكي، لأنه يرى أن الضغط العسكري وحده لا يصنع استسلاما إيرانيا، وأن طهران تستخدم قدرتها على الصمود وإرباك الملاحة لتحويل الحرب إلى تفاوض على الضمانات لا مجرد قبول بالإملاءات.

 

من هنا، يخشى الإسرائيليون أن يختار ترامب صفقة عملية تنهي الحرب قبل تحقيق الأهداف الإسرائيلية الأوسع، لأن الرئيس الأمريكي يحتاج إعلان نصر سريع، بينما تحتاج تل أبيب ترتيبا أطول يقيّد إيران في لبنان والعراق واليمن، ولا يكتفي ببنود نووية وملاحية مؤقتة.

 

طهران تراهن على الصمود وتل أبيب تضغط لإبقاء الساحات مفتوحة

 

على الجانب الإيراني، تدرس طهران المقترح الأمريكي وهي تعلم أن واشنطن تبحث عن نهاية قابلة للتسويق، لذلك تسعى إيران إلى ربط وقف التصعيد برفع العقوبات وفتح الأصول المجمدة وضمان عدم تكرار الضربات، لا بمجرد وقف مؤقت للتخصيب تحت تهديد القصف.

 

ولهذا السبب، يصبح الخوف الإسرائيلي مفهوما من منظور تل أبيب، لأن أي صفقة تمنح إيران مكاسب اقتصادية بعد الحرب ستقدم داخليا في طهران باعتبارها نتيجة صمود لا هزيمة، كما ستمنح حلفاء إيران في المنطقة مساحة سياسية للتأكيد أن القوة الأمريكية لم تكسر المحور.

 

في الوقت نفسه، تواصل إسرائيل عملياتها في لبنان، وقد استهدفت بيروت في 6 مايو للمرة الأولى منذ الهدنة مع حزب الله، وقالت إنها ضربت قائدا في قوة الرضوان، وهذا السلوك يوضح أن تل أبيب تريد إبقاء الجبهات الإقليمية تحت الضغط حتى أثناء التفاوض الأمريكي الإيراني.

 

وفي هذا السياق، يخدم تريتا بارسي، نائب رئيس معهد كوينسي، زاوية الحساب الإيراني، لأنه يرى أن سياسة الضغط الأقصى تدفع إيران غالبا إلى رفع كلفة المواجهة بدلا من الاستسلام، وأن الاتفاق المستقر يحتاج ضمانات متبادلة لا تهديدا دائما بالعودة إلى القصف.

 

كذلك يكشف موقف إسرائيل أن خلافها مع واشنطن لا يتصل فقط ببنود الاتفاق، بل بتوقيت إنهاء الحرب، فتل أبيب تخشى أن يغلق ترامب ملف إيران قبل تثبيت مكاسبها العسكرية، بينما ترى واشنطن أن استمرار الحرب قد يحول الخليج ولبنان والعراق إلى جبهة واسعة يصعب ضبطها.

 

وفي الخلاصة، يفضح قلق إسرائيل من التنازلات الأمريكية حقيقة التحالف وقت الأزمات، فتل أبيب تريد من واشنطن حربا طويلة بشروط إسرائيلية، وواشنطن تريد من إسرائيل أن تقبل اتفاقا يخفف الضغط على النفط والقواعد والممرات، بينما تحاول إيران تحويل وقف القتال إلى رفع للحصار.

 

لذلك ستكون نهاية الحرب مع إيران اختبارا لشكل النفوذ داخل المعسكر الأمريكي الإسرائيلي، فإذا قبل ترامب اتفاقا محدودا مع طهران ستتهمه تل أبيب بالتنازل، وإذا انحاز لشروط إسرائيل فسيفتح المنطقة على جولة قتال جديدة، وستتحول الهدنة إلى استراحة قصيرة قبل انفجار أوسع.