تستعد حكومة الانقلاب لبدء العمل بالتوقيت الصيفي اعتبارًا من فجر الجمعة 24 أبريل 2026، عبر تقديم الساعة 60 دقيقة دفعة واحدة عند منتصف ليل الخميس، في عودة سنوية تقول السلطة إنها تستهدف ترشيد استهلاك الكهرباء والوقود. لكن هذا القرار، الذي جرى تسويقه منذ إحيائه في 2023 باعتباره إجراءً اقتصاديًا منضبطًا، يعود هذا العام وسط ضغط معيشي أكبر، وفاتورة طاقة أعلى، وشكوك أوسع حول ما إذا كانت الدولة تقدم للمواطنين سياسة رشيدة فعلًا أم تكتفي بتحريك عقارب الساعة لتقول إنها فعلت شيئًا. فالحكومة التي لم تعلن حتى الآن أرقامًا تفصيلية شفافة عن حجم الوفر المتحقق منذ إعادة العمل بالنظام، تطلب من الناس مرة أخرى أن يتأقلموا مع قرار فوقي جديد، بينما تبقى أزمة الكهرباء أوسع من مجرد ساعة تتقدم أو تتأخر.
يأتي هذا التطبيق الجديد بعد نحو 7 سنوات من توقف العمل بالتوقيت الصيفي، ثم عودته في أبريل 2023 بقرار تشريعي أعاد النظام إلى الحياة الرسمية. ومنذ ذلك الوقت، تكرر الدولة المبررات نفسها، وتربط تغيير الساعة بترشيد الاستهلاك وتقليل الضغط على الوقود المستخدم في محطات الكهرباء. غير أن التكرار الحكومي نفسه لا يكفي لإقناع قطاع واسع من المواطنين، لأن العبء يقع عمليًا على مواعيد نومهم وعملهم وتنقلهم، بينما تظل نتائج الوفر الموعود بعيدة عن القياس العام الواضح. لذلك يبدو المشهد أقرب إلى إدارة شكلية للوقت العام، لا إلى معالجة جادة لأزمة الطاقة أو خطة متماسكة لإصلاح أنماط الاستهلاك والإنتاج في بلد يواجه أصلًا ضغوطًا مالية ونقدية ممتدة.
عودة قانونية يحيط بها التباس رسمي وإعلامي
وبحسب الموعد المقرر هذا العام، يبدأ العمل بالتوقيت الصيفي في مصر عند الساعة 12 بعد منتصف ليل الخميس 23 أبريل، لتصبح الساعة 1 صباحًا مع بداية الجمعة 24 أبريل 2026، ثم يستمر النظام حتى نهاية يوم الخميس الأخير من أكتوبر. وهذه الآلية تعني عمليًا أن الدولة تنتزع ساعة من ليل المواطنين دفعة واحدة، وتطلب منهم إعادة ضبط يومهم كله خلال يوم إجازة حتى تقلل أثر القرار على المؤسسات وساعات العمل.
وعند مراجعة المصادر الرسمية والإعلامية، يظهر التباس لافت في رقم القانون نفسه، إذ تشير الصفحة الرسمية لمجلس الوزراء إلى القانون رقم 24 لسنة 2023، بينما تداولت بعض المواقع الإخبارية والبرلمانية الرقم 34 لسنة 2023 عند الحديث عن التوقيت الصيفي. وهذه الفجوة ليست تفصيلًا عابرًا، لأن قرارًا يمس التوقيت القانوني للدولة كان يفترض أن يُقدَّم للرأي العام بصياغة دقيقة لا تترك مساحة للارتباك في أبسط معلومة قانونية مرتبطة به.
ثم إن اختيار يوم الجمعة لتطبيق التغيير لم يأت مصادفة، بل لأن الحكومة أرادت تمرير الإجراء في يوم إجازة رسمية لتفادي ارتباك المصالح الحكومية وقطاعات العمل المختلفة. لكن هذا الاعتراف الضمني بوجود ارتباك متوقع يكشف طبيعة القرار نفسه، لأن السلطة تعرف مسبقًا أن تغيير الساعة يربك الناس، ثم تعتبر تقليل الارتباك إنجازًا إداريًا، بدل أن تقدم تقييمًا عامًا لما إذا كان الإجراء يستحق هذا الإرباك أصلًا.
وفي السياق نفسه، شرح الدكتور أشرف تادرس أستاذ الفلك بالمعهد القومي للبحوث الفلكية أن الهدف الأساسي من التوقيت الصيفي هو استغلال ساعات النهار الأطول في الصيف، والتي قد تصل عند الذروة إلى نحو 14 ساعة. وهذا التفسير العلمي يوضح منطق الفكرة من حيث الأصل، لكنه لا يحسم وحده سؤال الجدوى في الحالة المصرية، لأن طول النهار لا يعني تلقائيًا تحقق وفر فعلي ما لم تُنشر بيانات قياس دقيقة ومستمرة.
الحكومة تتحدث عن الترشيد بينما يظل حساب الوفر غامضًا
وبعد تثبيت الموعد القانوني، تعود الحكومة إلى المبرر الاقتصادي نفسه، وهو أن تقديم الساعة يساعد على خفض استهلاك الكهرباء خلال ساعات المساء، وبالتالي يخفف استخدام الغاز الطبيعي والمازوت في محطات التوليد. هذا التبرير يتكرر في معظم التغطيات الرسمية وشبه الرسمية، لكنه يبقى ادعاءً عامًا ما دامت الدولة لم تطرح للرأي العام حصيلة مفصلة تبين ماذا وفرت بالضبط منذ عودة النظام في 2023، وكم انعكس ذلك على كلفة الطاقة أو الاستيراد.
كما استندت الحكومة سابقًا إلى منطق أوسع يربط ترشيد الكهرباء بتوفير النقد الأجنبي، إذ قال رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في أغسطس 2022 إن توفير 10% من استهلاك الغاز المستخدم في محطات الكهرباء قد يتيح توفير نحو 300 مليون دولار شهريًا عبر إعادة توجيه الكميات للتصدير. غير أن هذا الرقم الكبير ظل في المجال السياسي والإعلامي أكثر من بقائه في صورة كشف حساب دوري يوضح ما تحقق فعليًا بعد إعادة العمل بالتوقيت الصيفي.
وفي هذا الإطار، قال المهندس طارق عبد السلام خبير الطاقة إن التوقيت الصيفي ليس اختراعًا جديدًا، بل إجراء اقتصادي اتبعته دول عديدة لخفض استهلاك الطاقة، وأضاف أن توفير ساعة من الإضاءة يوميًا قد يبدو محدودًا لكنه قد يصنع فارقًا على مستوى الاستهلاك القومي. غير أن هذا الرأي الفني، حتى وهو يشرح منطق الإجراء، لا يعفي الحكومة من تقديم أرقام معلنة تثبت أن الفارق تحقق فعلًا في مصر، لا في النظريات العامة فقط.
كذلك يمتد أثر التوقيت الصيفي إلى تفاصيل الحياة الاقتصادية اليومية، لأن مواعيد فتح وغلق المحال والمطاعم والورش تتأثر هي الأخرى بالنظام الموسمي المعمول به. وهذا يعني أن القرار لا يمس الساعة في الهاتف فقط، بل يعيد ترتيب حركة السوق والنقل والعمل والخدمات. لذلك يصبح من غير المقبول أن تُدار هذه التحولات ببيانات مختصرة، بينما يحتاج الناس وأصحاب الأعمال إلى وضوح أشمل حول الأثر الحقيقي على التشغيل والاستهلاك.
ساعة جديدة للمواطن لا تكفي لإخفاء أزمة الكهرباء والمعيشة
لكن الاعتراض الأوضح على التوقيت الصيفي لا يتعلق بآلية التطبيق بقدر ما يتعلق بجدواه في بلد شديد الحرارة ويزداد اعتماده على أجهزة التبريد كلما طال النهار العملي. وفي هذا السياق، قال الخبير الاقتصادي مدحت نافع إن مصر ليست أوروبا، وإن تطبيق التوقيت الصيفي قد يعني زيادة ساعات العمل في الطقس الحار ورفع استخدام أجهزة التكييف، بما قد يؤدي إلى زيادة استهلاك الطاقة بدل خفضه. وهذا الاعتراض يضرب صلب الرواية الحكومية لا هامشها.
ومن زاوية الحياة اليومية، لا يمكن فصل القرار عن أثره المباشر على النوم والانتباه والإيقاع اليومي، خصوصًا في الأيام الأولى بعد تقديم الساعة. وقد عرضت تقارير صحية نتائج دراسات تشير إلى أن الانتقال إلى التوقيت الصيفي قد يحرم الشخص في الليلة الأولى من نحو 40 دقيقة من النوم في المتوسط. وهذه الخسارة الزمنية تبدو صغيرة على الورق، لكنها تتحول عمليًا إلى إرهاق صباحي واضطراب في مواعيد العمل والدراسة والتنقل عند ملايين الأشخاص.
ثم إن الجدل لم يعد محصورًا بين مؤيد ومعارض على المستوى الشعبي فقط، لأن أصواتًا سياسية داخل البرلمان نفسه بدأت تشكك في تحقيق القانون لهدفه. فقد قال النائب محمد الفيومي في مارس 2026 إن قانون التوقيت الصيفي والشتوي لم يحقق الهدف منه، وإنه يجب إلغاؤه إذا لم يوفر الكهرباء. وهذه الملاحظة تكشف أن السؤال لم يعد عن التكيف مع القرار، بل عن مشروعية استمراره من الأصل في غياب نتائج معلنة تقنع حتى بعض الدوائر الرسمية.
ولذلك لا يبدو التوقيت الصيفي في مصر 2026 مجرد تعديل موسمي للساعة، بل يبدو اختبارًا جديدًا لأسلوب الحكم نفسه، حيث تُنقل كلفة التكيف إلى المواطن، بينما تحتفظ الحكومة بحق إعلان النجاح من دون نشر كشف حساب واضح. فالدولة التي تريد من الناس أن يضبطوا منبهاتهم كل عام، مطالبة أولًا أن تضبط روايتها هي، وأن تقول بالأرقام ماذا وفرت منذ أبريل 2023، وإلا بقيت الساعة الرسمية تتقدم، بينما تتراجع الثقة العامة في كل مبرر تقدمه السلطة باسم الترشيد والانضباط.

