حذرت مطالبات مزارعي قصب السكر في الصعيد والجمعية التعاونية العامة للموالح من تقليص الأسمدة المدعمة، بعد هبوط حصة الفدان إلى 8 شكائر وارتفاع الشيكارة بالسوق السوداء إلى 2000 جنيه، بما يهدد 200 ألف طن من الإنتاج.

 

ويكشف القرار انتقال سياسة ترشيد الدعم من ملف الموازنة إلى قلب الحقل، حيث تتحول كلفة شروط صندوق النقد إلى عبء مباشر على المزارع، ثم إلى نقص محتمل في السكر والموالح وفرص العمل الريفية.

 

قصب السكر بين نقص السماد وخطر تراجع الإنتاج المحلي

 

في البداية، يقول مزارعو القصب إن الفدان كان يحصل سابقا على 12 شيكارة سماد، بواقع 6 شكائر شتوية و6 صيفية، لكنه يحصل حاليا على 8 شكائر فقط، منها 6 شتوية و2 للموسم الصيفي.

 

وبحسب شهادات المزارعين، يضرب الخفض محصولا شديد الحساسية للتسميد، لأن القصب يبقى في الأرض فترة طويلة ويمتص عناصر غذائية كبيرة، وأي نقص في التغذية ينعكس مباشرة على وزن العيدان ونسبة السكر.

 

لذلك يتوقع المزارعون تراجع إنتاج الموسم المقبل بنحو 200 ألف طن، وهو رقم يهدد السوق المحلي للسكر، خصوصا أن صناعة السكر في الصعيد ترتبط بمصانع وأسر عاملة ودخل يومي ثابت.

 

في هذا المحور، طالب حسين عبدالرحمن أبو صدام، نقيب الفلاحين، بتشكيل لجان ميدانية لمعرفة الاحتياجات الفعلية لكل محصول، لأن خفض الحصة دون قياس أرضي يضاعف الخسائر على المزارع الصغير.

 

وتكتسب مطالبة أبو صدام أهميتها من أن أزمة الأسمدة لا تتعلق بالسعر وحده، بل بتوقيت الصرف وانتظام الكميات، لأن المحصول لا ينتظر قرارا إداريا ولا يعوض نقص التسميد بعد فوات المرحلة المناسبة.

 

ومع ارتفاع شيكارة السماد في السوق السوداء إلى 2000 جنيه، يصبح المزارع أمام معادلة خاسرة، إما أن يخفض التسميد فيخسر الإنتاج، أو يشتري بالسعر الحر فيتحول الفدان إلى عبء.

 

الموالح والبساتين تحت ضغط قرار مفاجئ يهدد التصدير

 

في السياق نفسه، أعلنت الجمعية التعاونية الزراعية العامة لإنتاج وتسويق الموالح رفضها إلغاء الحصة السمادية المدعمة للمحاصيل البستانية، مؤكدة أن القرار جاء مفاجئا داخل الموسم الزراعي الجاري.

 

وأوضحت الجمعية أن التوقيت شديد الحساسية، لأن أشجار الموالح تمر بمراحل نمو تتطلب انتظام برامج التسميد، للحفاظ على النمو الخضري والثمري وضمان محصول يصلح للأسواق المحلية والتصديرية.

 

كما شددت الجمعية على أن المقررات السمادية لم تكن دعما استثنائيا، بل استندت إلى توصيات فنية وبحثية وقرارات وزارية، لذلك لا يصح إلغاؤها فجأة بحجة تشبع نيتروجيني غير موثق فنيا.

 

وهنا يخدم رأي الدكتور شريف فياض، أستاذ الاقتصاد الزراعي، هذا المحور بوضوح، لأنه يرى أن الزراعة المصرية تعاني غياب تنظيمات فلاحية حقيقية تعبر عن المنتجين وتشارك في صناعة القرار.

 

وبسبب غياب هذا الصوت المؤسسي، وجد مزارعو الموالح أنفسهم أمام قرار يغير حساباتهم التمويلية بعد بداية الموسم، رغم أن كثيرا منهم رتب تعاقدات الإنتاج والتسويق على أساس المقررات المعتمدة.

 

وفنيا، يحذر المزارعون والجمعية من أن خفض التسميد الآزوتي قد يضعف النمو الخضري ويخفض كفاءة البناء الضوئي، ثم يقلل أحجام الثمار وجودتها ويرفع معدلات التساقط خلال الموسم الحالي.

 

لذلك لا تتوقف الأزمة عند خسارة مزارع بعينه، لأن الموالح المصرية تمثل قطاعا تصديريا مهما يوفر عملة أجنبية وفرص عمل في الزراعة والفرز والتعبئة والنقل والتسويق والتصدير.

 

السوق السوداء وكارت الفلاح يحولان الدعم إلى عبء على المزارع

 

على الجانب الآخر، زعم أحمد عصام، رئيس قطاع التعاونيات والمديريات والتدريب، أن منظومة دعم الأسمدة الآزوتية تعمل بكامل طاقتها، وأن إمدادات المصانع مستمرة ضمن التدفقات المقررة لقطاعات التوزيع.

 

كما قال عصام إنه جرى صرف نحو مليون شيكارة أسمدة، مع استكمال صرف باقي المقررات للمزارعين في المحافظات، في خطاب حكومي يحاول تصوير الأزمة كخلل محدود لا كقرار يمس الإنتاج.

 

وفي المقابل، زعم الدكتور محمد شطا، رئيس الإدارة المركزية للمديريات، أن أسعار الأسمدة ثابتة، وأن المزارعين يصرفون مقررات القصب والأرز والذرة والخضر عبر كارت الفلاح دون زيادات أو مصاريف إضافية.

 

غير أن شهادة المزارعين تكشف فجوة واضحة بين التصريحات والحقل، لأن السعر الرسمي لا يحمي المزارع إذا لم تصل الحصة كاملة، والسعر المدعم يفقد معناه حين يكمل الفلاح احتياجاته من السوق السوداء.

 

ومن زاوية الأمن الغذائي، يساعد رأي الدكتور نادر نور الدين، أستاذ الموارد المائية والأراضي، في فهم خطورة المساس بالمدخلات الزراعية، لأنه سبق أن ربط تراجع دعم الأسمدة بخطر أزمة غذاء.

 

وتتسع الأزمة عندما تتزامن قرارات خفض الدعم مع ضغوط مالية يفرضها برنامج اقتصادي قائم على تقليص الإنفاق، لأن الفلاح يصبح الحلقة الأضعف بين الحكومة والمصنع والسوق والمستهلك النهائي.

 

كذلك تضع الحكومة نفسها أمام تناقض واضح، فهي تتحدث عن زيادة الصادرات الزراعية وتوفير السكر، ثم تضغط على محصول القصب ومحاصيل البساتين في أهم مدخل إنتاجي خلال الموسم.

 

وبذلك يتحول كارت الفلاح من أداة تنظيم إلى شاهد على عجز المنظومة، لأن وجود الكارت لا يكفي إذا حصل المزارع على نصف احتياجه، ولا يمنع السوق السوداء من ابتلاع الفارق.

 

وفي النهاية، يحتاج القرار إلى وقف فوري للموسم الحالي، وصرف كامل المقررات المعتمدة للقصب والمحاصيل البستانية، ثم فتح مراجعة فنية علنية، لأن إنقاذ الفلاح اليوم أقل كلفة من استيراد الغذاء غدا.