أعادت قرارات الإفراج الأخيرة عن عدد من المحبوسين على خلفية قضايا سياسية فتح واحد من أكثر الملفات إلحاحا في مصر، لا لأن الدولة حسمته، بل لأنها أعادت التأكيد مرة أخرى أنها تديره بالجرعات المحدودة نفسها التي لا تقترب من أصل الأزمة. فكل دفعة جديدة من المفرج عنهم تثير ترحيبا إنسانيا مفهوما، لكنها تعيد في الوقت نفسه طرح السؤال الأوسع عن آلاف الأسماء التي لا تزال خلف القضبان أو في دوائر الحبس الاحتياطي والتدوير.

 

وفي الأيام الأخيرة، أعلن المحامي الحقوقي خالد علي إخلاء سبيل عدد من الأسماء، بينهم شريف الروبي وسيد مشاغب ونرمين حسين، في خطوة أثارت تفاعلا واسعا وأعادت النقاش إلى النقطة التي لم تغادرها السلطة منذ سنوات، وهي الإفراج الانتقائي بدل إغلاق الملف من أساسه.

 

هذا الجدل لم يصدر فقط عن منصات التواصل أو عن أسر المحتجزين، بل خرج أيضا من داخل المجال السياسي الرسمي نفسه. النائبة مها عبد الناصر قالت قبل أيام إن الإفراج عن سجناء الرأي طُرح كثيرا، وإن الدولة استجابت لبعض المطالب، لكن المطلوب الآن هو الإفراج عن المزيد ممن حوكموا أو حبسوا بسبب آرائهم. هذا الموقف يلخص جوهر اللحظة الحالية، لأن ما جرى لا يبدو انفراجة شاملة، بل تحريكا جزئيا لملف مفتوح منذ سنوات طويلة، في وقت تؤكد فيه منظمات حقوقية دولية أن القمع والتوقيف التعسفي لا يزالان من السمات الثابتة للمشهد المصري.

 

إشادة حذرة لأن الإفراج الجزئي لا يغلق ملف سجناء الرأي

 

ومع صدور قرارات الإفراج الأخيرة، ظهرت إشادة حذرة من شخصيات سياسية وحقوقية رأت في الخطوة إشارة إيجابية، لكنها رفضت التعامل معها باعتبارها حلا كافيا. مها عبد الناصر رحبت صراحة بإخلاء سبيل عدد من سجناء الرأي، لكنها ربطت هذا الترحيب بمطلب واضح هو الإفراج عن مزيد من المحبوسين بسبب آرائهم، لأن تهيئة المناخ العام لا تتحقق بقرارات متفرقة، بل بإزالة أصل القيد المفروض على المجال العام.

 

ثم يكتسب هذا الموقف وزنه لأن الإفراجات جاءت بعد أسابيع من تصاعد مناشدات الأحزاب والقوى المدنية قبيل العيد، ومن تحركات علنية طالبت بتوسيع القوائم وعدم الاكتفاء بالحالات الفردية. موقع "فكر تاني" نقل في 26 مارس 2026 أن أسر سجناء الرأي وقوى مدنية كثفت مناشداتها، كما نقل عن طارق العوضي وجود معلومات بشأن الإفراج عن عدد من المحبوسين احتياطيا بمناسبة عيد الفطر. هذا يعني أن القرارات الأخيرة لم تهبط من فراغ، بل جاءت تحت ضغط سياسي وحقوقي متواصل.

 

كما أن الترحيب المحدود لا يلغي أن الملف نفسه ما زال مفتوحا على اتساعه. منظمة العفو الدولية قالت في تقريرها السنوي الأخير إن السلطات المصرية أفرجت بين يناير وأكتوبر 2025 عن 934 محتجزا لأسباب سياسية، لكنها في الفترة نفسها ألقت القبض على 1594 آخرين على خلفية سياسية. هذه المقارنة تفسر لماذا يرفض كثيرون الاكتفاء بمنطق الدفعات المتفرقة، لأن الإفراج حين يتزامن مع دخول أسماء جديدة إلى السجون يتحول إلى إدارة للأزمة لا إلى حل لها.

 

وفي هذا السياق، تمثل مها عبد الناصر الصوت السياسي الذي يربط بين الانفراجة الجزئية وبين الحاجة إلى مسار أوسع. فحديثها عن الإفراج عن المزيد من سجناء الرأي قبل الاستحقاقات السياسية المقبلة لا يضع المسألة في إطار إنساني فقط، بل في إطار يتعلق بصدقية أي حديث عن إصلاح أو مشاركة عامة. لذلك بقي الترحيب محكوما بالتحفظ، لأن المناخ العام لا يتغير بقرار واحد ما دامت البنية التي أنتجت الملف لا تزال قائمة.

 

تحركات حقوقية متصاعدة لأن القوائم الفردية لم تعد كافية

 

وبالتوازي مع المواقف السياسية، دفعت التحركات الحقوقية بالملف إلى الواجهة من جديد عبر الإعلان عن أسماء المفرج عنهم ومتابعة قضايا من لا يزالون قيد الحبس. خالد علي أعلن أخيرا إخلاء سبيل عدد من الأسماء، كما أعلنت تقارير حقوقية وصحفية قرارات مشابهة طالت 10 متهمين في قضايا مرتبطة بنشر أخبار كاذبة، وهو ما أكد أن نيابة أمن الدولة عادت مرة أخرى إلى إصدار قرارات متفرقة تخلق مساحة أمل محدود من دون أن تقدم مؤشرا على إغلاق شامل للملف.

 

ثم إن إدراج أسماء مثل شريف الروبي ونرمين حسين أعاد إلى السطح تاريخا ثقيلا من الحبس المطول والتدوير وتجاوز الحدود القانونية للحبس الاحتياطي. المبادرة المصرية للحقوق الشخصية قالت في يوليو 2025 إن نرمين حسين تجاوزت 1900 يوم في الاعتقال السياسي، بينما أكد المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية في نوفمبر 2024 ثم في يوليو 2025 أن شريف الروبي ظل محبوسا رغم تجاوزه الحد الأقصى للحبس الاحتياطي وتدهور حالته الصحية. هذه المعطيات تجعل الإفراج عن بعض الأسماء خطوة متأخرة لا تمحو أصل الانتهاك.

 

وبسبب ذلك، لم تعد المنظمات الحقوقية تكتفي بمتابعة قرارات الإفراج، بل انتقلت إلى المطالبة الصريحة بإغلاق الملف كله. "المنصة" نقلت قبل أسابيع أن لجنة الدفاع عن سجناء الرأي قدمت مذكرة إلى النائب العام تطالب بالإفراج الفوري عن جميع من تجاوزوا الحد الأقصى للحبس الاحتياطي، ووصفت استمرار حبسهم بأنه باطل قانونا. كذلك تحدثت تقارير أخرى عن تأسيس لجنة للدفاع عن سجناء الرأي تحت شعار "الرأي ليس جريمة والحرية حق"، بما يعكس اتساع التنسيق بين الحقوقيين والأحزاب وأسر المحتجزين.

 

وفي هذا الإطار، يبرز خالد علي بوصفه الصوت الحقوقي الأوضح في اللحظة الحالية، لأنه لم يكتف بإعلان أسماء المفرج عنهم، بل ساهم عمليا في إبقاء الملف حيا داخل المجال العام. ومع ذلك، فإن قيمة هذا الدور لا تنبع من عدد الأسماء التي يعلنها، بل من كشفه المستمر أن كل قرار إخلاء سبيل جديد يثبت وجود أزمة أكبر لم تنته بعد. لذلك فإن التفاعل الواسع مع منشوراته يعكس عطشا مجتمعيا لحل شامل أكثر من كونه احتفاء بإفراجات محدودة.

 

ملف مستمر منذ سنوات لأن السلطة تدير الأزمة ولا تغلقها

 

ومن هذه النقطة، يعود أصل المشكلة إلى أن ملف المحبوسين على خلفية قضايا سياسية لم يعد قضية طارئة، بل صار واحدا من أكثر الملفات ثباتا في الحياة العامة خلال العقد الأخير. هيومن رايتس ووتش قالت في تقريرها عن مصر لعام 2026 إن السلطات واصلت قمع المنتقدين السلميين وملاحقة المدافعين عن حقوق الإنسان. كما قالت المنظمة في يناير 2025 إن اتهام حسام بهجت بالإرهاب يمثل تصعيدا جديدا ضد واحد من أبرز الأصوات الحقوقية المستقلة.

 

ثم يتضح اتساع الأزمة أكثر حين نقرأ تقارير دولية ومحلية عن استمرار التدوير والإحالة إلى دوائر الإرهاب بدل الإفراج. بيان نشره "آيفكس" نقلا عن منظمات حقوقية مصرية في يناير 2025 قال إن مئات المحتجزين الذين تجاوزوا الحد القانوني للحبس الاحتياطي أُحيلوا إلى محاكم الإرهاب بدلا من إخلاء سبيلهم. كما أكدت تقارير حقوقية حديثة أن الدعوات إلى الإفراج لا تزال تتكرر مع كل مناسبة، ما يعني أن الدولة لم تقدم حتى الآن آلية مستقرة تعالج الملف من جذوره.

 

كما أن استمرار الضغط يعكس اقتناعا متزايدا بأن الانفراج السياسي لن يبدأ ما دام هذا الملف مفتوحا. مصر 360 رصدت في 24 مارس 2026 موجة مطالبات ووقفات وبيانات حقوقية دعت إلى توسيع الإفراجات لتشمل صحفيين ومحامين ومؤيدي مرشحين معارضين ومحبوسين على خلفية التعبير أو التضامن. هذا التوسع في الفئات المطالبة بالإفراج يكشف أن القضية لم تعد شأنا نخبويا، بل صارت مؤشرا على طبيعة المجال العام كله وعلى حدود الحرية المسموح بها داخله.

 

وفي هذا المشهد، يمثل حسام بهجت الصوت الحقوقي الثالث الذي يفضح مفارقة الملف. فبينما تطالب الدولة بتحسين صورتها وتوسيع المجال، تواجه واحدة من أبرز المنظمات المستقلة اتهامات جديدة ضد مديرها التنفيذي. هذه المفارقة توضح أن أي إفراجات محدودة ستظل محاطة بالشك ما دامت السلطة نفسها تواصل ملاحقة المدافعين عن الحقوق والحريات. لذلك لا يبدو السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت هناك انفراجة جزئية، بل ما إذا كانت الدولة مستعدة للتوقف عن إنتاج الملف نفسه.

 

وأخيرا، تكشف الإفراجات الأخيرة أن ملف المعتقلين السياسيين ما زال يعيش في المنطقة نفسها بين الأمل المحدود والأزمة المستمرة. النائبة مها عبد الناصر رحبت وطالبت بالتوسيع، وخالد علي أعلن أسماء وفتح الباب أمام ضغط جديد، والمنظمات الحقوقية عادت لتقول إن الحبس المطول والتدوير لا يمكن أن يستمرا تحت غطاء المراجعات الدورية. لذلك فإن أي حديث عن انفراجة حقيقية سيظل ناقصا ما لم يتحول الإفراج من استثناء متقطع إلى قرار شامل يغلق هذا الملف نهائيا ويعيد السياسة إلى المجال العام بدل أن تبقى رهينة السجون وقرارات الإخلاء الجزئية.