أعادت أزمة شقق موظفي العاصمة الإدارية الجديدة فتح ملف الوعود الحكومية التي رافقت نقل الوزارات والجهات الرسمية من القاهرة إلى الحي الحكومي، بعدما وجد آلاف العاملين أنفسهم بين خيارين أحلاهما مر. فمن رفض بدل الانتقال الشهري على أمل الحصول على وحدة سكنية قريبة من مقر العمل، بقي معلقا بين كشوف غير مفهومة وتسليمات لا يعرف أصحابها كيف جرت، بينما استمر آخرون في الرحلة اليومية المرهقة من القاهرة والجيزة والقليوبية إلى العاصمة الجديدة.

 

هذه الأزمة لم تعد خلافا إداريا محدودا، لأن الحكومة نفسها عادت في 4 أبريل 2026 لتؤكد متابعتها ملف تسليم الوحدات للموظفين، وهو ما يكشف أن المشكلة لم تنته رغم مرور سنوات على بدء الانتقال، ورغم الاجتماعات واللجان والوعود المتكررة بتوفير السكن الملائم لمختلف شرائح الدخل داخل مشروعي الحي السكني الثالث وزهرة العاصمة.

 

تكشف الشكاوى المتصاعدة أن أصل الأزمة لا يتعلق فقط بنقص الوحدات، بل بطريقة التخصيص نفسها. موظفون يقولون إن الأقدمية لم تعد معيارا حاكما، وإن البعد السكني لم يعد محددا واضحا، وإن بعض العاملين الجدد أو أصحاب العقود المؤقتة حصلوا على وحدات، بينما بقي موظفون أقدم منهم خارج القوائم.

 

وفي الوقت نفسه، ظهرت شكاوى عن إعادة عرض بعض الوحدات المخصصة للبيع على مجموعات إلكترونية مقابل مبالغ إضافية، بما يعني أن جانبا من التخصيص لم يذهب إلى الأكثر احتياجا للسكن الفعلي. وبين هذه الوقائع، تبدو الحكومة عاجزة عن إقناع العاملين بعدالة المنظومة، حتى بعد إعلان فتح باب التظلمات في أكتوبر 2025، وحتى بعد تأكيد وزارة الإسكان في فبراير 2026 أنها ستستوعب جميع المتقدمين من الموظفين المنتقلين إلى العاصمة الإدارية بمشروع زهرة العاصمة في مدينة بدر.

 

وعود النقل والسكن تصطدم بالرحلة اليومية وبطء التسليم

 

ومنذ أن أعلنت الحكومة الانتقال الكامل للوزارات والأجهزة الحكومية إلى العاصمة الإدارية، كان الوعد الأساسي يقوم على تخفيف كلفة الانتقال اليومي عبر بدلات مواصلات أو وحدات سكنية قريبة من مقر العمل. لكن الوقائع اللاحقة أظهرت أن هذا التعهد لم يتحول إلى حل شامل، لأن أعدادا كبيرة من الموظفين استمرت في السفر يوميا من محافظات ودوائر سكنية بعيدة إلى الحي الحكومي، في رحلة تستنزف الوقت والدخل والقدرة على الاستمرار.

 

ثم تعمقت المشكلة مع اتساع عدد المنقولين فعليا إلى العاصمة الجديدة. رئيس الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة حاتم نبيل أعلن في 20 أغسطس 2025 أن نحو 55 ألف موظف انتقلوا بالفعل للعمل من داخل العاصمة الإدارية، وقال إن عملية النقل تمت وفق خطة مدروسة تستهدف ضمان استمرارية العمل بكفاءة. غير أن هذا الرقم نفسه يوضح حجم العبء، لأن توفير السكن والنقل والخدمات لآلاف الموظفين لم يعد تفصيلا تنفيذيا يمكن تأجيله بلا كلفة اجتماعية وإدارية.

 

وبعد ذلك، ظلت الحكومة تكرر أن مشروع زهرة العاصمة جزء أساسي من معالجة هذه الأزمة. وزارة الإسكان ومجلس الوزراء أعلنا في فبراير وأبريل 2026 أن المشروع مخصص للعاملين المنتقلين، وأنه صمم لتوفير بيئة سكنية متكاملة قريبة من العاصمة الجديدة. كما عرضت الحكومة أرقاما عن تسليم 8514 وحدة من أصل 8593 في المرحلة الأولى، وتسليم 899 وحدة من أصل 1576 في المرحلة الثانية، مع الاستعداد لمراحل إضافية.

 

لكن هذه الأرقام لم تنه الاعتراض، لأن الشكاوى لم تكن محصورة في عدد الوحدات فقط، بل فيمن حصل عليها أولا وكيف حصل عليها. وهنا يبرز كلام الدكتور محمود غيث، رئيس الجمعية المصرية للتخطيط العمراني، الذي قال في مارس 2026 إن نجاح العاصمة الإدارية يتوقف على تكامل النقل والربط الداخلي والخارجي وتقليل زمن الرحلة. هذا التقدير يكتسب دلالته هنا لأن استمرار السفر اليومي الطويل يعني أن التخطيط المعلن لم يتحول بعد إلى عدالة سكنية يشعر بها الموظف المنقول.

 

الأقدمية الغائبة والتخصيص المرتبك يفتحان باب الشبهة

 

ومع تتابع التسليمات، بدأ موظفون يتحدثون بوضوح عن غياب المعايير التي يفترض أن تحكم الاستحقاق. الشكاوى المتداولة ربطت بين استبعاد أصحاب سنوات الخدمة الطويلة وبين حصول بعض الموظفين الجدد أو العاملين بعقود مؤقتة على وحدات، وهو ما فجّر حالة استياء واسعة داخل جهات حكومية متعددة. هذا المسار جعل الأزمة تتجاوز نقص العرض إلى أزمة ثقة في آليات الاختيار نفسها، لأن التخصيص حين يفقد معاييره يفقد مشروعيته الإدارية في نظر المتضررين.

 

ثم إن الحكومة اضطرت إلى الاعتراف بوجود اعتراضات واسعة حين أعلن وزير الإسكان شريف الشربيني في 15 أكتوبر 2025 فتح باب التظلمات للعاملين المنتقلين إلى العاصمة الإدارية للحصول على وحدات بمشروع زهرة العاصمة. الوزير قال أيضا إن إجراءات الحجز والتخصيص تتم بشفافية كاملة وفقا للقواعد الموضوعة. لكن فتح باب التظلمات في حد ذاته أكد أن الشكاوى لم تكن شائعات معزولة، بل أزمة فعلية وصلت إلى مستوى يستوجب تدخلا وزاريا مباشرا.

 

وبعد فتح التظلمات، لم تختف الأسئلة الأساسية التي طرحها الموظفون. فالأقدمية بقيت موضع شك، ومعيار البعد السكني بقي غامضا، ولم تُنشر للرأي العام الوظيفي كشوف تفصيلية تفسر أولوية كل اسم على آخر. لذلك استمر التذمر، لأن العدالة لا تتحقق فقط بإتاحة التظلم، بل بإعلان ضوابط قابلة للفهم والمراجعة، وهو ما لم يظهر بوضوح في التصريحات الرسمية المتاحة حتى الآن.

 

وفي هذا السياق، يبرز اسم المهندس شريف الشربيني بوصفه المسؤول الحكومي الأبرز عن هذا الملف في الشهور الأخيرة. فالرجل جمع بين نفي وقف التخصيص وبين إعلان فتح باب التظلمات ثم المشاركة في اجتماع 4 أبريل 2026 الذي ناقش إتاحة وحدات جديدة لتلبية الطلبات. دلالة هذا التسلسل أن الحكومة نفسها أقرت ضمنا بأن الأزمة لم تُحسم، وأن المنظومة احتاجت مراجعات متلاحقة لأن الرضا الوظيفي لم يتحقق فعليا على الأرض.

 

بيع الوحدات على الجروبات ينسف رواية الاحتياج ويكشف عجز المتابعة

 

وبينما كان موظفون يشتكون من الحرمان من السكن القريب، ظهرت مفارقة أكثر حدة حين تحدث متضررون عن قيام بعض من خصصت لهم وحدات بعرضها للبيع على مجموعات إلكترونية مقابل أوفر برايس. هذه الشكاوى تعني أن جزءا من الوحدات لم يذهب إلى من كان يحتاجها لتقليل مشقة الانتقال، بل تحول عند بعض المستفيدين إلى فرصة ربح سريع، وهو ما ينسف رواية العدالة من أساسها إذا صح على النطاق الذي يتحدث عنه الموظفون.

 

ثم تزداد خطورة هذه النقطة لأن الأزمة لا تصيب صغار الموظفين وحدهم. الشكاوى نفسها تحدثت عن مديري عموم وموظفين ذوي خبرة ما زالوا يقطعون مسافات طويلة يوميا بسبب بعد محل إقامتهم، بينما تظهر وحدات مخصصة للبيع غير الرسمي على الإنترنت. هذا التناقض يطرح سؤالا مباشرا عن دور جهات المتابعة في فحص الجدية والاحتياج الفعلي ومنع تحويل السكن الوظيفي إلى منفعة تجارية في سوق مغلقة.

 

ومن هنا برزت محاولات للجوء إلى البرلمان عبر طلبات إحاطة دعت إلى مراجعة شاملة لكشوف المستفيدين وإلى تشكيل لجنة محايدة لإعادة فحص الطلبات وضمان تكافؤ الفرص. غير أن الشكاوى المتداولة تؤكد أن هذه المحاولات لم تنتج حتى الآن خطوة حاسمة تنهي النزاع أو تعيد ترتيب الأولويات وفق معايير معلنة. وبذلك بقي الموظفون بين وعود المراجعة وواقع لم يتغير بالقدر الكافي.

 

وفي هذا الإطار، يحمل تصريح حاتم نبيل عن انتقال 55 ألف موظف وزنا إضافيا، لأنه يوضح أن الحكومة تدير كتلة بشرية ضخمة في تجربة انتقال لم تكتمل متطلباتها الاجتماعية. كما أن كلام محمود غيث عن أن نجاح العاصمة يرتبط بتقليل زمن الرحلة يضع معيارا مهنيا واضحا يمكن قياس الفشل به. لذلك لا تعود أزمة زهرة العاصمة ملف إسكان منفصلا، بل تصبح اختبارا مباشرا لقدرة الدولة على إدارة انتقالها الإداري من دون ظلم وظيفي أو ارتباك تنظيمي.

 

وأخيرا، تكشف أزمة شقق موظفي العاصمة الإدارية أن الحكومة لم تفشل فقط في إغلاق ملف السكن بعد سنوات من الانتقال، بل فشلت أيضا في بناء ثقة الحد الأدنى داخل جهازها الإداري. فالموظف الذي رفض بدل المواصلات انتظارا لوحدة قريبة من العمل، وجد نفسه أمام كشوف متنازع عليها، ومعايير غير مفهومة، ووحدات يقال إن بعضها تحول إلى سلعة تباع على الجروبات. ولهذا لم تعد القضية مجرد تأخير إداري، بل صارت عنوانا واضحا على فوضى تخصيص تضعف الثقة في الدولة حتى بين موظفيها الذين نقلتهم بنفسها إلى العاصمة الجديدة.