كشف عيد الفطر الوجه الأشد قسوة في ملف المعتقلين السياسيين في مصر، فبينما تستعد بيوت كثيرة للملابس والكعك والزيارات، تدخل بيوت أخرى المناسبة على إيقاع الغياب والقلق وانتظار خبر يطمئن القلب.
العيد هنا لا يحمل طقسا اجتماعيا عاديا، بل يفتح الجرح نفسه من جديد، لأن من غاب عن المائدة والصلاة والزيارة ليس مسافرا ولا متوفى، بل محتجزا خلف أبواب لا تكتفي بعقابه وحده، بل تمد العقوبة إلى أسرته أيضا. وتؤكد تقارير حديثة أن أوضاع الاحتجاز والانتهاكات داخل السجون ومقار الاحتجاز في مصر استمرت خلال 2025، مع تركيز واضح على المحتجزين في قضايا ذات طابع سياسي، وسط غياب فعال للمساءلة والرقابة.
الغياب في العيد ليس رمزيا بل يومي وثقيل
في مثل هذه المناسبات يصبح الغائب حاضرا بأكثر من صورته، فالمقعد الفارغ على مائدة العيد ليس استعارة صحفية، بل جزء من حياة يومية مرتبكة داخل بيوت فقدت أبا أو ابنا أو أخا كان يشغل مكانا أساسيا في تفاصيلها. هذه الخسارة لا تقف عند مشهد الحنين، بل تتحول إلى عبء نفسي مباشر على الأطفال تحديدا، لأن العيد يضعهم أمام أسئلة صعبة عن سبب الغياب وموعد العودة ومعنى أن يبقى الأب بعيدا في يوم يفترض أنه يوم اجتماع وفرح. الباحث الأمريكي إريك مارتن وصف أبناء المحتجزين بأنهم "ضحايا خفيون" للنظام العقابي، موضحا أن هؤلاء يواجهون ضغوطا نفسية وتعليمية ومالية، وأن قوة العلاقة مع الوالد الغائب وإمكانية استمرار التواصل معه عنصران حاسمان في تخفيف هذا الأثر أو تفاقمه.
ولا يتوقف الوجع عند الغياب نفسه، بل يتضاعف مع الترقب الذي يلتهم أيام العيد قبل أن تبدأ. أسر كثيرة لا تدخل المناسبة وهي تعرف هل ستتم الزيارة أم لا، وهل سيسمح بإدخال الطعام والملابس والدواء، وهل يمر اليوم من دون منع أو إهانة أو انقطاع كامل في الأخبار. هذا القلق ليس انطباعا ذاتيا معزولا، بل يتكرر في شهادات وتقارير حقوقية عن حرمان أسر بعض المحتجزين من الزيارة أو من التواصل لفترات طويلة. وقد سجلت هيومن رايتس ووتش في تقريرها السنوي أن عائلات بعض المحتجزين في القضايا السياسية قالت إنها لم تر ذويها لسنوات بسبب منع الزيارات المنتظمة، بما في ذلك زيارات المحامين، إلى جانب تعطيل التواصل الكتابي أو الهاتفي.
الزيارة نفسها صارت رحلة إذلال واستنزاف
حين تنجح الأسرة في الوصول إلى الزيارة، لا يعني ذلك أن الأزمة انحلت، بل تبدأ جولة أخرى من الاستنزاف. تقرير نشره معهد التحرير لسياسة الشرق الأوسط في نوفمبر 2025 وصف زيارات السجون في مصر بأنها تحولت من حق أساسي إلى مشقة نفسية ومالية منهكة، تبدأ قبل الفجر وتستنزف المال والوقت والكرامة، مع انتظار طويل وتفتيشات مهينة وقاعات مزدحمة ورديئة وغياب أبسط الخدمات. هذه الصورة تفسر لماذا يتحول العيد عند كثير من الأسر من مناسبة للتخفف النفسي إلى موسم ضغط إضافي، لأن مجرد محاولة الاطمئنان على المحتجز صارت عبئا قائما بذاته.
الحقوقي معتز الفجيري وضع هذه المعاناة في صياغة مباشرة حين قال في يوليو 2023 إن الناس يواجهون "آلة قمعية لا تتوقف"، وإن حجم الاحتياجات بات أكبر من قدرة أي جهة على المساعدة، مع زيادة واضحة في طلب الأسر دعما ماليا لتغطية أتعاب المحامين والتكاليف الأخرى. أهمية هذا الكلام أنه ينقل القضية من خانة التعاطف المجرد إلى خانة البنية الكاملة للعقاب، لأن السجن هنا لا يعزل شخصا فقط، بل يعيد ترتيب اقتصاد البيت كله حول الغياب، من مصروفات قانونية وانتقالات واحتياجات معيشية وسجون بعيدة ورسوم غير رسمية واستنزاف مستمر للمدخرات الضعيفة أصلا.
ولا يقتصر الأمر على الإنهاك المالي، بل يمتد إلى ما هو أخطر، أي معاقبة الأسر حين تحاول الكلام أو الشكوى. تقرير جمعية حرية الفكر والتعبير وثق حالات استهداف لأقارب محتجزين ومعارضين بسبب نشرهم معلومات عن الانتهاكات أو سعيهم إلى مسارات قانونية لمحاسبة المسؤولين. التقرير خلص بوضوح إلى أن هذه الممارسات تهدف إلى بث الخوف داخل العائلات وردعها عن كشف ما يتعرض له ذووها، بما يقوض حقها في التقاضي ويحوّل الأسرة نفسها إلى طرف تحت الضغط الأمني المباشر. هنا لا يعود العيد موسما للحنين فقط، بل موعدا متجددا لتذكير هذه البيوت بأن السلطة لا تكتفي بحبس الجسد، بل تلاحق أثره خارج السجن أيضا.
العيد يفضح اتساع العقوبة خارج السجن
المناسبات الدينية والإنسانية تكشف دائما ما تحاول الأرقام المجردة إخفاءه، وهو أن قضية المعتقل لا تنتهي عند باب الزنزانة. في مارس 2025 قال محمود شلبي الباحث في شؤون مصر بمنظمة العفو الدولية إن المحتجزين حتى في السجون الحديثة ما زالوا يتعرضون لانتهاكات على يد سلطات تعمل من دون رقابة أو مساءلة كافيتين. هذا التوصيف لا يخص أوضاع المحتجزين فقط، بل يفسر أيضا لماذا تعيش الأسر هذا القدر من القلق، لأن غياب الرقابة يعني أن الاطمئنان نفسه يتحول إلى رفاهية نادرة، وأن العيد يمر على كثير من العائلات من دون يقين حقيقي بشأن من يحبون.
لهذا لا يدخل أهالي كثير من المعتقلين عيد الفطر حاملين قائمة مشتريات أو برنامج زيارات، بل أمنية واحدة فقط، مكالمة قصيرة، زيارة من دون إذلال، خبر طبي مطمئن، أو نهاية لهذا الغياب كله. هذه ليست كتابة عاطفية زائدة، بل خلاصة واقع موثق عن أسر تدفع ثمن الاحتجاز مرة داخل السجن ومرة أخرى خارجه. العيد في هذه البيوت لا يكتمل لأن الدولة لم تكتف بسلب الحرية من أصحابها، بل صادرت من عائلاتهم حقها في الطمأنينة والحد الأدنى من الحياة الطبيعية، ولذلك يصبح العيد خلف القضبان عنوانا أدق من أي وصف آخر لبلد امتدت فيه العقوبة من الزنازين إلى موائد الأسر نفسها.

