تكشف شكاوى عمال الخدمات في ميناء سفاجا أزمة عمالية حادة تفجرت بعد تغيير الشركة المتعاقدة مع جهة العمل داخل الميناء. البلاغات التي تلقتها دار الخدمات النقابية والعمالية تشير إلى تراجع مفاجئ في أوضاع العاملين بعد سنوات من الاستقرار النسبي.
العمال يتحدثون عن وقف صرف الرواتب بانتظام، وإلغاء التأمينات الاجتماعية، وفرض رسوم مالية جديدة عليهم مقابل العمل. الوقائع تعكس خللاً واضحاً في آليات حماية العمال عند تغيير الشركات المتعاقدة مع الجهات الحكومية أو المرافق الحيوية. الأزمة تطرح أسئلة مباشرة حول دور الجهات الرقابية في حماية حقوق العاملين داخل قطاع النقل البحري.
عشر سنوات من الاستقرار انتهت فجأة
تقول روايات العمال إن شركة كوين سيرفيس كانت تدير أعمال الخدمات داخل ميناء سفاجا لمدة تقارب 10 سنوات. خلال تلك الفترة حصل العمال على رواتب منتظمة، واستفادوا من التأمينات الاجتماعية وبعض الحقوق الوظيفية الأساسية.
هذا الوضع وفر للعاملين درجة معقولة من الاستقرار المعيشي. كثير منهم اعتمد على هذا العمل كمصدر دخل أساسي لعائلاته. الرواتب كانت محدودة لكنها ثابتة. التأمينات الاجتماعية كانت تمثل الحد الأدنى من الأمان الوظيفي.
لكن هذا الاستقرار انتهى فجأة بعد إنهاء التعاقد مع الشركة السابقة. الإدارة المسؤولة عن الخدمات داخل الميناء تعاقدت مع شركة جديدة هي حورس للمطارات والموانئ.
منذ دخول الشركة الجديدة تغيرت الأوضاع بسرعة. العمال يؤكدون أن الرواتب لم تعد تصرف بانتظام. كما تم إلغاء التأمينات الاجتماعية التي كانوا يحصلون عليها طوال سنوات عملهم السابقة.
يرى المحامي خالد علي أن هذه الحالة تتكرر في قطاعات عديدة داخل سوق العمل المصري. ويقول إن تغيير الشركات المتعاقدة مع الجهات الحكومية غالباً ما يؤدي إلى فقدان العمال لحقوقهم السابقة لأن العقود الجديدة لا تلزم الشركات بالحفاظ على الامتيازات القديمة.
ويضيف أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب قواعد قانونية واضحة تلزم الشركات الجديدة بنقل العمال بنفس شروط العمل السابقة، خصوصاً عندما يكون العمل مرتبطاً بمرفق عام مثل الموانئ.
رسوم جديدة وغياب التأمينات
تدهورت أوضاع العمال أكثر بعد فرض أعباء مالية جديدة عليهم. وفقاً للشكاوى المقدمة إلى دار الخدمات النقابية والعمالية، طلبت إدارة الشركة الجديدة من كل عامل دفع مبلغ 1000 جنيه مقابل ما وصفته بـ"الزي والمظهر".
العمال اعتبروا القرار عبئاً مالياً إضافياً. كثير منهم يتقاضى أجوراً محدودة بالكاد تكفي لتغطية احتياجات أسرته. دفع هذا المبلغ يعني اقتطاع جزء كبير من دخلهم الشهري.
الأزمة لم تتوقف عند هذا الحد. العمال يقولون إن الشركة قدمت لاحقاً عرضاً جديداً لهم. العرض يقضي باستخراج تصاريح عمل لهم تحت مسمى "عمالة حمالين".
لكن الحصول على هذه التصاريح لم يكن مجانياً. الشركة طلبت دفع 500 جنيه شهرياً مقابل التصريح. بعد فترة قصيرة ارتفع المبلغ إلى 600 جنيه شهرياً.
في المقابل لا يحصل العمال على أي تأمينات اجتماعية أو ضمانات وظيفية. العمل يصبح أقرب إلى نظام العمالة اليومية غير المستقرة.
يقول الخبير الاقتصادي إلهامي الميرغني إن هذا النموذج يعكس توسعاً واضحاً في استخدام العمالة غير المستقرة داخل قطاعات حيوية. ويضيف أن بعض الشركات تحاول تقليل تكاليف التشغيل عبر تحويل العمال إلى عمالة غير مؤمنة أو تحميلهم تكاليف العمل نفسها.
ويشير الميرغني إلى أن هذه الممارسات تؤدي في النهاية إلى نقل المخاطر الاقتصادية بالكامل إلى العمال، بينما تحتفظ الشركات بأرباحها دون التزامات اجتماعية حقيقية.
شكاوى بلا استجابة حكومية
الأزمة تصاعدت عندما حاول العمال اللجوء إلى القنوات الرسمية. العاملون قدموا شكاوى إلى مكتب العمل المختص مطالبين بالتدخل لحماية حقوقهم وإلزام الشركة الجديدة بالالتزام بقواعد العمل.
لكن الشكاوى، بحسب روايات العمال وبيانات دار الخدمات النقابية والعمالية، لم تلق حتى الآن استجابة واضحة أو إجراءات فعلية لحل المشكلة.
هذا الوضع دفع منظمات عمالية إلى التحذير من أن غياب الرقابة الحكومية يشجع بعض الشركات على اتخاذ قرارات تعسفية ضد العاملين، خصوصاً في القطاعات التي تعتمد على نظام التعاقد مع شركات الخدمات.
وتقول دار الخدمات النقابية والعمالية إن الأزمة في ميناء سفاجا ليست حالة فردية. بل تعكس مشكلة أوسع داخل سوق العمل المصري، حيث يجد كثير من العمال أنفسهم بلا حماية حقيقية عندما تتغير الشركات المتعاقدة مع الجهات الحكومية.
الخبير في شؤون العمل كمال عباس يقول إن ما يحدث في الميناء يوضح فجوة كبيرة في تطبيق قوانين العمل. ويضيف أن القوانين المصرية تنص على حماية حقوق العمال، لكن المشكلة الحقيقية تظهر في ضعف الرقابة والتنفيذ.
ويرى عباس أن الحل يبدأ بتدخل حكومي واضح لإلزام الشركات المتعاقدة بالحفاظ على حقوق العمال الأساسية، وعلى رأسها الأجور المنتظمة والتأمينات الاجتماعية.
كما يؤكد أن إصلاح القوانين المنظمة للعمالة المؤقتة أصبح ضرورة ملحة. هذه القوانين يجب أن تضمن عدم فقدان العمال لحقوقهم عند تغيير الشركات أو انتقال العقود داخل المرافق العامة.
في ظل استمرار الأزمة، يترقب عمال ميناء سفاجا تحركاً رسمياً يضع حداً لتدهور أوضاعهم. فالمشكلة لم تعد مجرد خلاف إداري مع شركة جديدة، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة الدولة على حماية حقوق العمال داخل أحد أهم الموانئ المصرية.

