أعلن حزب الكرامة بدء اعتصام رمزي مفتوح داخل مقره الرئيسي في القاهرة تحت شعار “عيدهم حريتهم”، مطالبًا بالإفراج عن معتقلي الرأي قبل عيد الفطر. الخطوة تبدو محدودة في شكلها، لكنها تحمل دلالة سياسية مباشرة: ملف الحبس الاحتياطي وسجناء الرأي لم يعد قابلًا للترحيل، لا في الداخل ولا أمام الرأي العام الدولي، خصوصًا مع استمرار القبض على ناشطين وصحفيين ومتضامنين مع فلسطين.
اعتصام صغير يفتح ملفًا كبيرًا
قال عضو الهيئة العليا بحزب الكرامة محمود فهمي إن الاعتصام يأتي تضامنًا مع المحبوسين على ذمة قضايا نشر أو نشاط سياسي، ومع من تجاوزوا مدد الحبس الاحتياطي القانونية، كما يشمل المقبوض عليهم بسبب التضامن مع فلسطين. ووفق البيان الذي نشره الحزب، فإن المبادرة تنطلق أيضًا من تقدير سياسي يعتبر أن الإفراج عن سجناء الرأي يخفف الاحتقان الداخلي ويقوي الجبهة الداخلية في ظل الظروف الإقليمية الدقيقة.
هذا الربط بين الحرية والأمن الداخلي ليس جديدًا في الأدبيات السياسية، لكنه يكتسب معنى خاصًا في مصر الآن. فالحزب يقول عمليًا إن الدولة تطالب الناس بالتماسك في لحظة إقليمية خطرة، بينما تُبقي في الوقت نفسه مئات المعارضين والناشطين خلف القضبان. والأخطر أن الحبس هنا لا يطول فقط من نُسب إليهم نشاط سياسي منظم، بل امتد إلى من رفعوا لافتات لفلسطين أو شاركوا في جهود إغاثة أو عبروا سلميًا عن رأيهم.
الحقوقي خالد علي يرى أن القيمة الأساسية لهذا الاعتصام لا تكمن في حجمه العددي، بل في كسره لحالة التطبيع مع الظلم. فحين يصبح وجود سجناء رأي أمرًا اعتياديًا في الحياة العامة، تكون أي مبادرة علنية لتسليط الضوء عليهم خطوة ضرورية لإعادة القضية إلى مركز النقاش السياسي والقانوني.
فلسطين تكشف اتساع القمع لا هامشه
أوضح محمود فهمي أن الاعتصام يشمل التضامن مع المقبوض عليهم على خلفية مساندة فلسطين، وهي نقطة تكشف كيف تحوّل التضامن الإنساني في مصر إلى مدخل للملاحقة الأمنية. فوفق المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، ألقت قوات الأمن القبض على 186 شخصًا في 16 قضية أمام نيابة أمن الدولة منذ أكتوبر 2023، بسبب أنشطة سلمية شملت التظاهر، ورفع لافتات، أو المساهمة في جهود الإغاثة، وظل 150 منهم محبوسين حتى يونيو 2025 موزعين على 12 قضية.
هذه الأرقام تكشف أن ما تسميه السلطة “استقرارًا” جرى بناؤه عبر توسيع نطاق الاشتباه والتجريم. فالمشكلة لم تعد في اعتقال ناشطين معروفين فقط، بل في معاقبة أي تعبير سلمي يتقاطع مع المجال العام، حتى لو اتسق مع الموقف الرسمي المعلن تجاه فلسطين. هنا تحديدًا يصبح اعتصام الكرامة أكثر من فعل تضامن؛ يصبح اتهامًا سياسيًا للنظام بأنه يجرّم ما يدّعي تأييده.
الباحثة في الشأن الحقوقي نجاد البرعي تشير إلى أن استمرار استخدام الحبس الاحتياطي كعقوبة مقنعة، لا كإجراء استثنائي، هو أصل الأزمة. وتضيف أن تضامن المواطنين مع فلسطين كشف بوضوح كيف يمكن تحويل الحق في التعبير والتجمع إلى ملف أمني، بما ينسف ادعاءات الإصلاح الحقوقي التي تكررها السلطة في الخارج.
من الكرامة إلى الأمم المتحدة.. النظام يراكم الإنكار
اختيار توقيت الاعتصام لم يكن عشوائيًا. محمود فهمي قال إن رمضان واقتراب عيد الفطر من “الأيام المفترجة”، وإنها فرصة إنسانية ليقضي معتقلو الرأي العيد بين أسرهم. كما أكد رئيس الحزب سيد الطوخي، في كلمة مصورة، أن استمرار هذا الملف يعني أن “البلد ليست متصالحة مع ناسها”، ودعا صراحة إلى تغيير قانون الحبس الاحتياطي. وفي هذا الكلام ما يتجاوز المناشدة الأخلاقية إلى تشخيص سياسي مباشر: لا يمكن الحديث عن دولة مستقرة بينما يبقى باب السجن مفتوحًا لكل صاحب رأي.
ولم يهبط هذا الاعتصام من فراغ. ففي أكتوبر الماضي اجتمع ممثلون عن قوى سياسية ونقابية في مقر الحزب نفسه لتشكيل كيان يدافع عن سجناء الرأي ويطالب بمحاكمات عادلة. وكانت من بين المشاركين ندى مغيث، زوجة رسام الكاريكاتير أشرف عمر، التي عبّرت عن خيبة أملها من استمرار حبس زوجها احتياطيًا منذ 22 يوليو 2024 في القضية رقم 1968 لسنة 2024 حصر أمن دولة، بتهم من بينها نشر أخبار كاذبة وإساءة استخدام وسائل التواصل والانضمام إلى جماعة أُسست على خلاف القانون.
الصحفي والباحث عمرو بدر يرى أن أهمية استحضار حالة أشرف عمر لا تعود فقط إلى رمزية الرجل المهنية، بل لأنها تكشف آلية أوسع: تحويل الصحافة والرأي والسخرية إلى تهم أمنية. وهذا بالضبط ما يجعل ملف سجناء الرأي ملفًا سياسيًا عامًا، لا مجرد سلسلة قضايا فردية متفرقة.
أما خارجيًا، فالصورة لا تبدو أفضل. ففي فبراير 2025 أصدر الفريق المعني بالاستعراض الدوري الشامل في مجلس حقوق الإنسان تقريره عن مصر متضمنًا 343 توصية من 137 دولة، ركزت على قضايا منها الإخفاء القسري، وإنهاء تدوير المحتجزين، والإفراج عن المعتقلين السياسيين، وضمان حرية الإعلام. وفي أكتوبر 2025 وجهت المفوضية السامية لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة مذكرة رسمية إلى الحكومة المصرية دعتها فيها إلى اتخاذ خطوات “واضحة وملموسة” لمعالجة الانتهاكات المستمرة، والإفراج عن جميع المحتجزين تعسفيًا بسبب ممارستهم السلمية لحقوقهم. ورغم ذلك، رد وزير الخارجية بدر عبد العاطي بأن مصر أحرزت “تقدمًا مشهودًا على جميع المستويات”.
هنا تتجلى المفارقة كاملة. في الداخل اعتصام حزبي صغير يطالب بإفراج إنساني قبل العيد. في الخارج تقارير أممية متكررة تطالب بالإفراج نفسه. وبين هذا وذاك تواصل السلطة ترديد خطاب “التقدم” فيما تظل الزنازين مليئة، وتبقى المصالحة مع المجتمع مؤجلة إلى أجل غير معلوم.

