يخطط كثير من الناس مع قدوم شهر رمضان لتنظيم استخدامهم للهاتف، وتقليص وقت تصفحهم لوسائل التواصل الاجتماعي إلى الحد الأدنى، حتى لا يضيعوا أوقاتهم فيما لا طائل ولا نفع منه خلال شهر العبادة والذكر.
لذا، يُتيح الانقطاع عن التكنولوجيا - أي تقليل وقت استخدام الشاشات عمدًا- فرصةً لإعادة توجيه العادات اليومية بما يتوافق مع تطلعات الصائمين لاستغلال شهر رمضان في التقرب أكثر إلى الله، بمزيد من الطاعة والعبادة.
لماذا يُعدّ التخلص من السموم الرقمية أمرًا مهمًا لصحتك وروحك؟
تتزايد الأدلة التي تربط بين الإفراط في استخدام الشاشات وتدهور الصحة النفسية. فقد وجدت دراسة نشرها مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها بالولايات المتحدة عام 2025 أن المراهقين الذين يقضون أربع ساعات أو أكثر يوميًا أمام الشاشات كانوا أكثر عرضةً بشكل ملحوظ للإصابة بأعراض القلق والاكتئاب مقارنةً بمن يقضون وقتًا أقل أمامها.
ووجدت دراسة أخرى أجرتها جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو عام 2024، وتابعت الأطفال على مدى عامين، أن زيادة وقت استخدام الشاشات يرتبط بزيادة حدة أعراض الاكتئاب والقلق وقلة الانتباه والعدوانية، وفقًا لمركز جونز هوبكنز أرامكو للرعاية الصحية.
ويؤثر الاستخدام المفرط للشاشات على المستخدمين في جوانب متعددة: فالضوء الأزرق المنبعث من الشاشات يعطل جودة النوم والإيقاعات اليومية؛ والإشعارات المستمرة تبقي عقولنا في حالة تحفيز مفرط؛ ويمكن لوسائل التواصل الاجتماعي أن تغذي المقارنات غير الصحية ومشاعر عدم الكفاءة.
وربما الأهم من ذلك كله، أن الوقت الذي نقضيه في التصفح يكون على حساب الأنشطة التي تغذينا- النشاط البدني، والتواصل وجهًا لوجه، والنوم، والممارسة الروحية.
وخلال شهر رمضان، قد تتفاقم هذه الآثار، فمع التغيرات الجسدية الناتجة عن الصيام، يُصعّب الإرهاق الذهني الناجم عن الاستخدام المفرط للشاشات الانخراط بفعالية في العبادة، كما أن المقاطعات الرقمية المستمرة قد تُعيق التركيز الذهني.
خطوات عملية للتخلص من الإدمان الرقمي خلال شهر رمضان
لا يعني التوقف عن استخدام الأجهزة الرقمية بالضرورة التخلي عنها تمامًا، فبالنسبة لمعظم الناس، هذا ليس عمليًا ولا ضروريًا. الهدف هو الاستخدام الواعي. إليك بعض الاستراتيجيات لمساعدتك على تقليل وقت استخدام الشاشات خلال شهر رمضان:
أوقات لا تستخدم فيها الأجهزة الإلكترونية:
حدد أوقاتًا معينة لا تستخدم فيها الأجهزة الإلكترونية. فكّر في التوقف عن استخدامها خلال الساعة التي تسبق صلاة الفجر والساعة التي تليها، وخصصها للعبادة. اجعل الإفطار والسحور وقتًا عائليًا لا تستخدم فيه الهواتف على المائدة. تجنب الشاشات خلال الساعة الأولى بعد الاستيقاظ والساعة الأخيرة قبل النوم يُحسّن التركيز والراحة بشكل ملحوظ.
حذف تطبيقات التواصل الاجتماعي:
احذف تطبيقات التواصل الاجتماعي من هاتفك - يمكنك الوصول إليها عبر الكمبيوتر عند الحاجة، لكن إزالة ميزة الوصول السريع تُقلّل بشكل كبير من التصفح العشوائي. أوقف الإشعارات غير الضرورية. ضع هاتفك في غرفة أخرى أثناء أوقات الصلاة.
استخدم خاصية تحديد وقت استخدام الشاشة المدمجة في هاتفك. اضبط مؤقتات التطبيقات. جرّب تطبيقات مثل Freedom أو StayFocusd التي تحجب المواقع الإلكترونية المشتتة. يُقلل وضع التدرج الرمادي من جاذبية شاشة الهاتف، مما قد يُقلل من استخدامه.
استبدل وقتك الرقمي ببدائل مفيدة:
إذا توقفت عن استخدام الشاشات دون استبدالها، فمن المرجح أن تعود إلى عاداتك القديمة. خطط لما ستفعله بدلاً من ذلك: اقرأ القرآن من مصحف، اقضِ وقتًا مع عائلتك، تمشَّ، اذكر الله، دوِّن خواطرك الرمضانية، أو مارس التأمل الهادئ.
نظّم بيئتك الرقمية:
إذا لم يكن الانقطاع التام عن المحتوى الرقمي واقعيًا بالنسبة لك، فعلى الأقل قلّل مما تستهلكه. ألغِ متابعة أو كتم الحسابات التي تجعلك تشعر بالتشتت أو الفراغ الروحي. استبدلها بمحتوى يدعم أهدافك الرمضانية، مثل تلاوات القرآن الكريم، أو المواعظ الإسلامية، أو المحتوى التعليمي.
ابدأ بخطوات صغيرة:
إذا كانت فكرة تقليل وقت استخدام الشاشات بشكل كبير تبدو صعبة، جرّب قضاء يوم واحد في الأسبوع بدون شاشات. التزم بالصلاة دون استخدام الهاتف. وجدت دراسة أجريت عام 2025 أن حتى فترات قصيرة من الانقطاع عن التكنولوجيا، تتراوح بين 24 و48 ساعة، ترتبط بانخفاض التوتر، وتحسين المزاج، وزيادة الرضا عن الحياة.
ركّز بشكل خاص على العشر الأواخر من رمضان:
إذا كنت تجد صعوبة في الالتزام بالابتعاد عن التكنولوجيا طوال الشهر، فعلى الأقل ابتعد عنها خلال العشر الأواخر من رمضان، حيث ليلة القدر، ويمكن أن يساعدك ذلك على الاستفادة الكاملة من هذه الأوقات الثمينة.
فوائد تقليل وقت استخدام الشاشة
تُظهر الأبحاث المتعلقة بالتخلص من الإدمان الرقمي باستمرار تحسنًا في مجالات متعددة:
نوم أفضل:
تقليل التعرض للضوء الأزرق والتحفيز الذهني قبل النوم يحسن جودة النوم - وهو أمر ذو قيمة خاصة خلال شهر رمضان عندما يكون النوم مضطربًا بالفعل.
تقليل التوتر والقلق:
تربط الدراسات باستمرار بين تقليل وقت استخدام الشاشات وانخفاض مستويات التوتر، فبدون الإشعارات والأخبار المستمرة، يستطيع جهازك العصبي أن يهدأ.
تحسين التركيز:
تزداد قدرتك على التركيز عندما لا تتعرض للمقاطعة باستمرار، وهذا يفيد عبادتك وتفاعلك مع القرآن بشكل مباشر.
علاقات أقوى:
عندما تُبعد الشاشات، تصبح أكثر حضورًا مع من حولك. وتصبح تجمعات الإفطار العائلية أكثر ترابطًا.
شعور أكبر بالإنجاز:
إن الحد من استخدام الشاشة بنجاح يبني الانضباط الذاتي، ويثبت أنك تستطيع التحكم في عاداتك- وهو شعور قوي خلال شهر رمضان.
عليك أن تعلم أن الأيام القليلة الأولى قد تكون غير مريحة بالنسبة لك، وهذا أمر طبيعي. فمثل أي تغيير في العادات، هناك فترة تكيف. إن الشعور بعدم الراحة بحد ذاته هو أمر ذو قيّمة، فهو يكشف مدى اعتمادنا على التحفيز الرقمي المستمر.

