تتجه الأنظار إلى مدينة جنيف السويسرية حيث تستعد إيران والولايات المتحدة لجولة جديدة من المفاوضات النووية غير المباشرة، في وقت ترفع فيه طهران سقف رسائلها السياسية والعسكرية بالتوازي؛ إذ أكدت أنها لن “ترضخ للتهديدات”، بينما بدأ الحرس الثوري الإيراني مناورات بحرية في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات الاستراتيجية لتدفق النفط عالمياً، في مشهد يعكس تداخل الدبلوماسية مع استعراض القوة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.
مباحثات تمهيدية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية
وصل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى جنيف على رأس وفد دبلوماسي وتقني، حيث أجرى لقاءات مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي لبحث ملفات فنية تتعلق بالبرنامج النووي الإيراني. ووصفت طهران هذه المناقشات بأنها تمهيد ضروري قبل انطلاق الجولة الثانية من المحادثات مع واشنطن.
غروسي أكد أن المحادثات الفنية كانت “شاملة”، فيما شدد عراقجي على أن بلاده تدخل المفاوضات “بأفكار عملية” للتوصل إلى اتفاق “عادل ومنصف”، مع التأكيد أن الاستسلام للضغوط أو التهديدات العسكرية ليس خياراً مطروحاً. كما أشار إلى أنه سيلتقي وزير الخارجية العماني في إطار الوساطة التي تقودها مسقط بين طهران وواشنطن.
وتأتي هذه التطورات بعد أشهر من تعليق التعاون بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية عقب هجمات إسرائيلية وأمريكية في يونيو 2025، قبل أن يتم التوصل إلى تفاهم في القاهرة في سبتمبر الماضي لاستئناف التعاون.
جولة مفاوضات حاسمة وسط عدم ثقة متبادلة
تُعقد الجولة الجديدة من المحادثات النووية في جنيف بوساطة عمانية، وسط أجواء من الشك المتبادل. فبينما تقول إيران إنها مستعدة لاتفاق يضمن رفع العقوبات مقابل قيود على برنامجها النووي، يؤكد مسؤولون إيرانيون أن طهران غير متفائلة بسبب “سوابق” واشنطن في الانسحاب من الاتفاقيات.
وتتمسك إيران بحصر المفاوضات في الملف النووي دون التطرق إلى برنامجها الصاروخي أو دورها الإقليمي، في حين تصر الولايات المتحدة وحلفاؤها على أن يشمل أي اتفاق مستقبلي هذه الملفات أيضاً. كما تشدد إسرائيل على ضرورة تفكيك كامل للبنية التحتية النووية الإيرانية ونقل اليورانيوم المخصب إلى خارج البلاد.
مناورات في مضيق هرمز ورسائل ردع
بالتوازي مع المسار الدبلوماسي، أعلن التلفزيون الإيراني بدء مناورات بحرية للحرس الثوري في مضيق هرمز، بهدف اختبار الجاهزية العسكرية ومراجعة خطط الرد السريع على أي تهديدات محتملة. وأكدت طهران أن هذه التدريبات تركز على القدرة على مواجهة “مخططات الأعداء” وحماية الممرات البحرية.
ويعد مضيق هرمز شرياناً رئيسياً لنقل النفط العالمي، ما يمنح أي تحرك عسكري فيه بعداً دولياً واسع التأثير. ويأتي ذلك في ظل حشد عسكري أمريكي متزايد في المنطقة، شمل نشر حاملات طائرات وسفن حربية وقوات إضافية، في خطوة تعتبرها طهران ضغطاً سياسياً وعسكرياً قبل المفاوضات.
سيناريوهات التصعيد المحتملة
تحليلات عسكرية أشارت إلى أن إيران أعدت خططاً متعددة المراحل للرد على أي هجوم محتمل، تبدأ باحتواء الضربة الأولى، ثم استخدام الصواريخ والطائرات المسيرة، وصولاً إلى احتمال إغلاق مضيق هرمز أو استهداف الملاحة في ممرات استراتيجية مثل باب المندب. ويرى خبراء أن هذا السيناريو، إن تحقق، سيشكل تحدياً كبيراً للاقتصاد العالمي، خصوصاً فيما يتعلق بإمدادات الطاقة.
في المقابل، تشير تقديرات إلى أن الولايات المتحدة تسعى للحفاظ على جاهزية عسكرية مرتفعة دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، مع استمرارها في الضغط الدبلوماسي والاقتصادي لإجبار طهران على تقديم تنازلات.
صورة إقليمية متشابكة
التوتر بين واشنطن وطهران يتقاطع مع ملفات إقليمية أخرى، بينها الحرب في غزة، والتحركات الإسرائيلية في الضفة الغربية، والتنافس الدولي على النفوذ في الشرق الأوسط. وترى تحليلات غربية أن واشنطن لم تنجح خلال عقود في صياغة استراتيجية مستقرة تجاه إيران، فيما يتزايد خطر الانزلاق إلى مواجهة عسكرية رغم إعلان الطرفين تفضيل الحل التفاوضي.
رسائل متبادلة قبل لحظة الحسم
بين الدبلوماسية واستعراض القوة، يبدو أن جولة جنيف المقبلة ستشكل اختباراً حقيقياً لقدرة الطرفين على خفض التوتر والوصول إلى تفاهم جديد، أو على الأقل تجنب مواجهة مفتوحة. فإيران تؤكد تمسكها برفع العقوبات وضمانات أمنية، بينما تصر الولايات المتحدة وحلفاؤها على قيود أوسع على البرنامج النووي والصاروخي.
ومع استمرار المناورات العسكرية في مضيق هرمز والحشد الأمريكي في المنطقة، تتعزز صورة مفاوضات تجري على حافة التصعيد، حيث يسعى كل طرف إلى تحسين موقعه التفاوضي دون الانجرار إلى حرب قد تكون كلفتها باهظة على المنطقة والعالم.

