اختتمت القمة الأفريقية التاسعة والثلاثون أعمالها في أديس أبابا، الأحد 15 فبراير 2026، ببيان ختامي وضع القضية الفلسطينية وأزمة السودان في قلب الأجندة السياسية للاتحاد الأفريقي. ودعا رؤساء الدول والحكومات إلى منح دولة فلسطين عضوية كاملة في الأمم المتحدة، وإلى وقف فوري لإطلاق النار في السودان عبر هدنة إنسانية تمهِّد لوقف شامل للقتال.

 

فلسطين في صدارة البيان الختامي

 

البيان الختامي للقمة أكد دعم القادة الأفارقة لـ"منح دولة فلسطين العضوية الكاملة في الأمم المتحدة"، واعتبر أن ذلك حق مشروع مرتبط بتقرير المصير وإنهاء الاحتلال، وليس مجرد خطوة رمزية في المحافل الدولية.

 

وشدد القادة على رفض أي محاولات لتهجير الفلسطينيين قسرًا، محذرين من أن ذلك يمثل خرقًا جسيمًا للقانون الدولي، في ظل تدهور الأوضاع الإنسانية في غزة واستمرار القيود على دخول الإغاثة والمواد الطبية لملايين المدنيين.

 

رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، محمود علي يوسف، كان قد افتتح القمة بدعوة صريحة لإنهاء ما وصفه بـ"إبادة" الفلسطينيين، مطالبًا بوقف الحرب والحصار على غزة، وهو ما عزز من مركزية الملف الفلسطيني في مداولات القمة هذا العام.

 

حضور رئيس وزراء فلسطين محمد مصطفى، ممثلاً للرئيس محمود عباس، أعطى بعدًا إضافيًا للتحرك السياسي، حيث سعى الجانب الفلسطيني إلى توسيع دائرة الدعم الأفريقي لمسعى الحصول على العضوية الكاملة، في سياق حملة دولية أوسع بدأت منذ 2025 لإعادة طرح الملف في مجلس الأمن والجمعية العامة.

 

نداء أفريقي لوقف النار في السودان

 

إلى جانب فلسطين، حجز السودان موقعًا متقدمًا في البيان الختامي؛ إذ دعا الاتحاد الأفريقي أطراف الصراع إلى "هدنة إنسانية فورية" تكون خطوة أولى نحو وقف شامل لإطلاق النار في عموم البلاد، مع ضمان وصول المساعدات وحماية المدنيين.

 

البيان يأتي امتدادًا لمواقف سابقة للاتحاد الأفريقي، حيث شدد محمود علي يوسف، في اجتماع وزاري مشترك مع الاتحاد الأوروبي العام الماضي على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة، على أن وقف النار شرطٌ أساسي لدخول المساعدات الإنسانية، وأن أي حل مستدام يجب أن يكون "سودانيًّا خالصًا" قائمًا على حوار شامل.

 

ورغم تعدد المبادرات الإقليمية والدولية، ما زال القتال بين الجيش السوداني و"قوات الدعم السريع" يخلّف عشرات الآلاف من القتلى وملايين النازحين، وسط تحذيرات أممية من مجاعات وجرائم محتملة ضد الإنسانية، خاصة بعد سقوط الفاشر وأجزاء واسعة من دارفور في يد "الدعم السريع".

 

القمة الأفريقية ركزت على البعد الإنساني للأزمة، لكنها أعادت كذلك التذكير بموقف الاتحاد الرافض للتدخلات الخارجية التي تغذي الحرب، والداعية إلى توحيد المسار التفاوضي تحت مظلة أفريقية، في مواجهة تعدد المنابر الدولية المتنافسة على إدارة الملف السوداني.

 

رسائل سياسية تتجاوز القارة

 

الدعوة لمنح فلسطين عضوية أممية كاملة، ورفع سقف الخطاب الأفريقي ضد ما يجري في غزة والضفة، تعكس رغبة في ترسيخ صورة الاتحاد الأفريقي ككتلة سياسية تدافع عن قضايا "الجنوب العالمي" في مواجهة اختلالات النظام الدولي، لا سيما في مجلس الأمن.

 

في المقابل، يشير التركيز على السودان إلى محاولة من الاتحاد لاستعادة زمام المبادرة في واحدة من أخطر أزمات القارة، بعد انتقادات متكررة لضعف فاعليته في التعامل مع الانقلابات والحروب الأهلية في السنوات الأخيرة. تقارير صحفية وأكاديمية حذرت خلال القمة من "أزمة ثقة" متنامية بين الشباب الأفريقي ومؤسسات الاتحاد، على خلفية ما يوصف بالعجز عن فرض كلفة سياسية على الأنظمة المنتهِكة لحقوق شعوبها.

 

مع ذلك، يبقى تأثير هذه القرارات مرهونًا بقدرة الاتحاد على تحويل اللغة السياسية إلى أدوات ضغط عملية؛ فملف عضوية فلسطين الكاملة في الأمم المتحدة ما زال يصطدم بفيتو محتمل داخل مجلس الأمن، بينما تعتمد فعالية نداء وقف النار في السودان على تجاوب الأطراف المتحاربة وحلفائها الإقليميين والدوليين.

 

القمة، التي انعقدت تحت شعار يرتبط بأمن المياه والصرف الصحي ضمن "أجندة 2063"، انتهت دون آليات تنفيذ تفصيلية بشأن فلسطين أو السودان، لكنها أظهرت اتجاهًا أوضح في الخطاب الرسمي الأفريقي نحو ربط قضايا العدالة الدولية والسلم الأهلي داخل القارة، وربطهما أيضًا بملف إصلاح مؤسسات الحكم العالمي وميزان القوة داخل الأمم المتحدة.

 

بهذا، تخرج القمة برسالتين متوازيتين: تضامن سياسي صريح مع فلسطين، ومحاولة متجددة لتثبيت دور أفريقي في مسار حل أزمة السودان. وبينهما يبقى السؤال الأهم: هل يمتلك الاتحاد الأفريقي أدوات كافية لتحويل هذه البيانات إلى وقائع على الأرض، أم تظل مجرد إضافة جديدة إلى أرشيف طويل من القرارات غير المنفَّذة؟