شهد ملف النظافة المتكاملة بمحافظة الجيزة تطورًا قضائيًا لافتًا بعد إحالة النيابة الإدارية سبعة من القيادات والعاملين بالهيئة العامة للنظافة والتجميل إلى المحاكمة التأديبية، على خلفية مخالفات مالية وإدارية وُصفت بـ«الجسيمة» في إجراءات التعاقد وتنفيذ مشروع بالشراكة مع شركة أجنبية.
وبحسب ما انتهت إليه التحقيقات، أسهمت هذه المخالفات في إضعاف المركز القانوني للدولة داخل نزاع تحكيمي دولي، وانتهت تسوية النزاع إلى تحمل أعباء مالية قُدرت بنحو 13 مليون يورو، بعد أن كانت الشركة قد طالبت بتعويض أكبر أمام «إكسيد». وتضمن ملف المخالفات—وفق الوقائع—إسناد المشروع دون استيفاء الموافقات اللازمة، وغياب تحديد المواصفات الفنية الدقيقة، إلى جانب تأخر سداد مستحقات الشركة وإجراء استقطاعات دون سند قانوني.
وتوسعت النيابة الإدارية في الإجراءات بإبلاغ النيابة العامة لشبهة جرائم جنائية، وإخطار مجلس الوزراء لاتخاذ ما يلزم حيال استمرار استخدام أرض محل نزاع كمكب للنفايات رغم حساسيتها الأثرية.
ثغرات التعاقد.. حين تتحول إدارة الفواتير إلى قضية تحكيم
تكشف القضية عن نمط مألوف في نزاعات الاستثمار: ملفات تعاقدية غير محصنة، ومستندات ناقصة، وتقديرات فنية غير محكمة، ثم صدام ينتهي بتحكيم دولي وفاتورة تسوية. هنا، رصدت التحقيقات طرح المشروع وإسناده لشركة أجنبية دون استكمال أطر قانونية لازمة، ودون مواصفات فنية تفصيلية، وهو فراغ يفتح الباب لتأويلات واسعة عند الخلاف.
يرى خبير التحكيم الدولي أ.د. محمد عبد الوهاب أن تحصين عقود الجهات العامة يبدأ من “هندسة العقد”: وضوح نطاق الأعمال، ومصفوفة التزامات محددة، وآليات قياس الأداء، والأهم توثيق المراسلات والاعتمادات والصرف بصورة تمنع تحول النزاع إلى «ملف روايات» أمام هيئات التحكيم.
وتشير الأدبيات القانونية حول «إكسيد» إلى أن المركز أُنشئ لتسوية المنازعات القانونية الناشئة عن عقود الاستثمار بين الدول ورعايا دول أخرى، وهو ما يرفع تكلفة أي خطأ تعاقدي لأن النزاع ينتقل سريعًا من حيز الإدارة المحلية إلى ساحة دولية شديدة التوثيق.
مكبّ شبرامنت.. نزاع أرض وبيئة وتراث في ملف واحد
من أكثر نقاط القضية حساسية تخصيص 110 أفدنة بمنطقة شبرامنت لاستخدامها مكبًا للدفن الصحي، رغم وقوعها—بحسب الوقائع—ضمن نطاق منافع عامة تابعة للمجلس الأعلى للآثار، بما يثير شبهة مخالفة ضوابط التصرف في الأراضي ذات الطبيعة الأثرية.
اللافت أن أزمة «المكب» ليست إدارية فقط، بل بيئية أيضًا. فاختيار مواقع الدفن الصحي يتطلب إجراءات تقييم أثر بيئي، وشروطًا فنية صارمة، ونظام تشغيل ومراقبة يمنع تلوث المياه الجوفية والهواء. في هذا السياق، تؤكد الوزيرة السابقة والخبيرة في ملف المخلفات ليلى إسكندر أن إدارة المخلفات لا تُبنى على قرارات ارتجالية، بل على منظومة تفصل من المنبع وتقلل العبء على المدافن وتخلق مسارات تدوير وفرص عمل، وهو ما يقلل أصلًا الحاجة للتمدد في مواقع دفن جديدة.
قانونيًا، يوضح المحامي محمد مسعد غازي في عرض قانون حماية الآثار أن التعامل مع المواقع ذات الصلة بالآثار يخضع لتعريفات وضوابط خاصة، وأن أي تصرف يمسها يتطلب التزامًا صارمًا بنصوص القانون والجهة المختصة.
مساءلة بعد التسوية.. ما الذي يمنع تكرار «الفخ»؟
الإحالة للمحاكمة التأديبية خطوة مهمة، لكنها لا تُغلق الملف إذا ظلّت نقاط الضعف كما هي: ضعف الحوكمة التعاقدية، وتضارب الاختصاصات، وغياب مراجعة فنية مستقلة لكراسات الشروط، وتأخر الصرف بما يحول الخلاف الفني إلى نزاع مالي ثم تحكيم.
خبير الآثار وأمين المجلس الأعلى للآثار السابق د. مصطفى وزيري يكرر في مناسبات عدة أن الحفاظ على التراث ليس شعارًا، وأن أي تعدٍّ أو استخدام يهدد المناطق ذات القيمة التاريخية يقود لخسائر لا تُقاس بالمال وحده.
الدرس التنفيذي الأوضح من القضية: “فخاخ الموت” ليست فقط في الشارع، بل قد تكون في العقد نفسه عندما يُكتب بلا مواصفات، ويُدار بلا التزام مالي، وتُستخدم أرض حساسة بلا تدقيق. المطلوب الآن—بعد فاتورة الـ13 مليون يورو—إجراءات وقائية ملموسة: تدقيق تعاقدي إلزامي قبل الإسناد، مراجعة فنية بيئية وأثرية قبل تخصيص الأراضي، وجدول صرف لا يُدار بالاستثناءات.

