تعلن النيابة العامة بانتظام عن حملات تفتيش على مراكز الإصلاح وأقسام ومراكز الشرطة، كان آخرها خلال شهري يناير وفبراير، في سياق التأكيد على “دورها الدستوري في الإشراف على أماكن الاحتجاز وصون الحقوق والحريات”.
لكن بالتوازي مع هذه البيانات، تستمر الأخبار والتقارير عن وفيات داخل السجون وأقسام الشرطة، وشكاوى من الإهمال الطبي وسوء المعاملة، وإضرابات عن الطعام. هنا يظهر التناقض الصارخ: تفتيش دوري على الورق، وواقع ميداني لا يعكس تحسنًا جوهريًا في أوضاع الاحتجاز، بحسب ما ترصده منظمات حقوقية مستقلة وتقارير دولية.
تفتيش دوري في البيانات.. وغياب في التفاصيل
بيانات النيابة تشير إلى أن فرقًا من أعضاء النيابة انتقلت إلى عدد من مراكز الإصلاح الجغرافية وأقسام الشرطة في محافظات مختلفة، لفحص أوضاع الاحتجاز والاستماع إلى شكاوى النزلاء، مع التأكيد على صدور “توصيات” والتنسيق مع وزارة الداخلية لتنفيذها.
كما تشير ورقة رسمية صادرة عن الهيئة العامة للاستعلامات إلى إنشاء “الإدارة العامة لحقوق الإنسان” بمكتب النائب العام عام 2017، لتلقي تقارير التفتيش الدورية والمفاجِئة على السجون وأماكن الاحتجاز ودراستها، وإنشاء قاعدة بيانات عن وقائع التعذيب واستخدام القسوة.
لكن هذه المنظومة الرقابية تبقى مغلقة على الجمهور. لا تُنشر تقارير تفصيلية توضح عدد الانتهاكات التي رُصدت، طبيعتها، أو الإجراءات التأديبية أو الجنائية التي اتُّخذت بحق المسؤولين عنها. ما يصل للرأي العام مجرد عبارات عامة عن “ملاحظات تم تدارك معظمها”، دون أرقام أو وقائع محددة.
المحامي الحقوقي نجاد البرعي، مؤسس “المجموعة المتحدة”، يقدّم مؤشرًا عمليًا على مشكلة الشفافية والمساءلة: مجموعته قدّمت بين عامي 2014 و2015 عددًا كبيرًا من البلاغات عن وقائع تعذيب داخل أماكن الاحتجاز (465 ادعاءً في 163 بلاغًا)، لكن النيابة – بحسب تحقيق صحفي استقصائي – لم تتخذ إجراءات جدية حيالها، ما يعزز انطباع إفلات مرتكبي التعذيب من العقاب.
حين تُعلن النيابة عن تفتيش “مفاجئ” ثم لا تُعلن للرأي العام ما ترتب عليه من تحقيقات وإحالات ومسؤوليات، يصبح السؤال مشروعًا: هل هذه الجولات أداة رقابة فعالة، أم واجهة شكلية تُستخدم لتأكيد التزام نظري بالدستور دون تغيير حقيقي في الممارسة؟
وفيات وإهمال طبي: أرقام تصطدم بصورة “الرقابة”
تقارير دولية ومحلية ترسم صورة مختلفة تمامًا عن أوضاع الاحتجاز. تقرير حقوقي صادر عن منظمة “كوميتي فور جستس” وثّق وحده في عام واحد 3,537 انتهاكًا بحق محتجزين في 49 مقر احتجاز، بينها حالات وفاة داخل السجون ومقار الشرطة، وانتهاكات تتعلق بسوء أوضاع الاحتجاز والحرمان من الرعاية الطبية.
تقرير حقوق الإنسان الصادر عن الخارجية الأمريكية لعام 2023 وصف أوضاع السجون ومقار الاحتجاز في مصر بأنها “قاسية ومهدِّدة للحياة”، بسبب الاكتظاظ وغياب الرعاية الطبية الكافية وسوء التهوية والطعام والمياه.
من جانب آخر، رصدت منظمات حقوقية مثل “المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا” تزايد حالات الوفاة المفاجئة ومحاولات الانتحار والإضراب عن الطعام داخل بعض السجون، مع الإشارة إلى أن عدد المتوفين داخل أماكن الاحتجاز منذ 2013 تجاوز مئات الحالات، بينها نسبة كبيرة مرتبطة بالحرمان من الرعاية الطبية في ظروف احتجاز غير إنسانية.
المبادرة المصرية للحقوق الشخصية دعت صراحةً النيابة العامة في بيان سابق إلى “القيام بدورها في الرقابة الفعالة على أوضاع الاحتجاز في السجون وأقسام الشرطة، وفتح تحقيقات جدية بشأن تعاقب الوفيات وتأخر الاستجابة الطبية”، بعد رصد عدة حالات وفاة لأسباب مرضية يمكن تفاديها خلال فترة قصيرة، واعتبار ذلك مؤشرًا على تقاعس ممنهج في منظومة الرعاية الصحية داخل أماكن الاحتجاز.
في هذا السياق، يلفت الحقوقي محمد زارع، رئيس المنظمة العربية للإصلاح الجنائي، إلى أن أوضاع السجون – من حيث الاكتظاظ وسوء المعاملة – تُحمِّل مسؤولية مباشرة لكل من وزارة الداخلية والنيابة العامة؛ إذ أشار في تصريح سابق إلى أن زنازين مخصصة لـ20 شخصًا قد يُحتجز فيها أكثر من 200 سجين، وإلى ورود شكاوى يومية عن التعذيب، مع تأكيده أن غياب سياسة محاسبة واضحة للمسؤولين عن الانتهاكات هو سبب مباشر في استمرارها وتفاقمها.
أمام هذا الكم من الوقائع، تبدو حملات التفتيش – كما تُقدَّم في البيانات الرسمية – غير قادرة على كسر النمط المتكرر: وفيات، وشكاوى من الإهمال الطبي، وتقارير حقوقية مقلقة، دون تغيير ملموس في مستوى المساءلة أو شفافية المعلومات المتاحة للرأي العام.
بين الرقابة الحقيقية والصورة الإعلامية: ما المطلوب من النيابة العامة؟
على المستوى الدولي، تُنتقد أوضاع السجون المصرية بحدة. تقرير لمنظمة العفو الدولية عن الإهمال والحرمان من الرعاية الصحية في السجون المصرية خلص إلى أن بعض السجناء، خصوصًا المحتجزين على خلفيات سياسية، يُحرمون عمدًا من العلاج كوسيلة للعقاب، وأن ظروف الاكتظاظ وغياب الخدمات الطبية ترقى إلى مستوى المعاملة القاسية أو اللا إنسانية.
فيليب لوثر، مدير الأبحاث والدعوة للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية، وصف سياسات إدارة السجون المصرية بأنها تُظهر “استخفافًا صارخًا بحياة وصحة السجناء”، مشيرًا إلى أن حرمانهم من الرعاية الصحية مع علم السلطات بحالتهم يمكن أن يشكل نوعًا من التعذيب.
في المقابل، تؤكد النيابة العامة في ردودها الرسمية أمام آليات الاستعراض الدوري الشامل بالأمم المتحدة أنها تتابع تقارير التفتيش على أماكن الاحتجاز عبر إدارة حقوق الإنسان، وتحتفظ بقاعدة بيانات عن قضايا التعذيب، وتحقق في الشكاوى التي ترد إليها. لكن تظل الفجوة قائمة بين هذه الصورة وبين ما ترصده المنظمات المستقلة من أرقام وانتهاكات.
الحقوقي أحمد مفرح، المدير التنفيذي لمنظمة “كوميتي فور جستس”، يؤكد في مداخلات أمام مؤسسات دولية أن السلطات المصرية لم تفِ حتى “بالحد الأدنى” من التزاماتها الدولية في حماية حقوق الإنسان، خصوصًا داخل السجون وأماكن الاحتجاز، وأن غياب الشفافية حول أعداد السجناء والانتهاكات يجعل الرقابة المجتمعية والقضائية الفعّالة شبه مستحيلة.
المحصلة أن جولات التفتيش التي تُعلنها النيابة لن تُعيد الثقة ما لم يصاحبها ثلاثة تحولات واضحة:
1. نشر تقارير تفصيلية دورية تتضمن أرقامًا عن المخالفات، ونوعها، والإجراءات المتخذة ضد المسؤولين عنها.
2. تفعيل آليات مستقلة وآمنة لتلقي شكاوى المحتجزين وذويهم، مع ضمان عدم تعرض المشتكين لأي انتقام.
3. فصل الدور الرقابي عن الصورة الإعلامية؛ فزيارة لا يتبعها تحقيق علني ومحاسبة واضحة، تبقى – في نظر كثير من الحقوقيين – جزءًا من إدارة الصورة أكثر من كونها أداة لحماية الحق في الحياة وسلامة الجسد.
إلى أن يحدث ذلك، سيظل السؤال معلّقًا: هل تعكس بيانات التفتيش الواقع داخل الزنازين، أم تُخفيه خلف عبارات مطاطية عن “ملاحظات تم تداركها” بينما يستمر النزيف في أماكن الاحتجاز؟

