يكشف هذا التقرير، الذي أعدّه فريق تحرير العربي الجديد، عن تصاعد لافت في لجوء السلطات المصرية إلى ما يُعرف بالقمع العابر للحدود، عبر استهداف معارضين ونشطاء يعيشون خارج البلاد، بالتوازي مع ممارسات عقابية تطال عائلاتهم داخل مصر.
ويوضح العربي الجديد أن هذه السياسات لم تعد استثناءات متفرقة، بل تحوّلت إلى نمط منظم ومدروس يهدف إلى إسكات الأصوات المنتقدة أينما وُجدت.
قمع عابر للحدود واستهداف ممنهج
يحذّر تقرير صادر عن المنتدى المصري لحقوق الإنسان من توسّع استخدام الدولة المصرية لآليات القمع خارج حدودها، مستندًا إلى بيانات وشهادات جُمعت بين يناير 2022 وسبتمبر 2025. اعتمد التقرير على مصادر أولية وثانوية، إضافة إلى استبيانات وإفادات من 34 معارضًا مصريًا مقيمين في دول مختلفة، ما أتاح صورة أوضح عن أدوات الضغط التي تستخدمها السلطات لإحكام قبضتها على المنتقدين في الخارج.
وثّق التقرير انتهاكات ممنهجة شملت حرمان المعارضين من جوازات السفر والأوراق الثبوتية، وإسقاط الجنسية، ورفع قضايا غيابية بتهم ملفقة، وإدراج أسماء على قوائم الإرهاب، إلى جانب حملات تشهير منسقة، ومضايقات رقمية، ومراقبة إلكترونية، وعمليات اختراق للهواتف والحسابات. وأشار إلى أن قرابة ثلثي المشاركين في الاستطلاع حُرموا من خدمات قنصلية أساسية، ما وضعهم في أوضاع قانونية هشّة داخل دول الإقامة.
العقاب يمتد إلى العائلات داخل مصر
لم يقتصر الضغط على المعارضين أنفسهم، بل امتد بشكل واسع إلى أسرهم داخل مصر. أفاد نحو 72 في المئة من المشاركين بأن أقاربهم تعرضوا لاستدعاءات أمنية، أو مداهمات منزلية، أو قرارات منع من السفر، في إطار ما وصفه التقرير بعقاب انتقامي مباشر على نشاطهم السياسي أو الحقوقي في الخارج. كما أشار ما يقارب نصف المستطلَعين إلى تلقيهم تهديدات مباشرة عبر مكالمات أو رسائل، أو ملاحقتهم قضائيًا وهم خارج البلاد.
وأوضح الباحث الرئيسي في المنتدى، عبد الرحمن عياش، أن السلطات باتت تدرك أنها لا تحتاج إلى اعتقال المعارض جسديًا في أوروبا أو الولايات المتحدة لإسكاته، بل يمكنها خلق ما يشبه «سجنًا مفتوحًا» له أينما كان، عبر إدراجه على قوائم الإرهاب، وحرمانه من الوثائق الرسمية، أو اعتقال أفراد أسرته داخل مصر. واعتبر أن استخدام أدوات شرطية دولية، مثل نشرات الإنتربول، ضد صحفيين ومدافعين عن حقوق الإنسان يحملون إقامات أو جنسيات أجنبية، لا يمثل فقط انتهاكًا لحقوق الإنسان، بل اعتداءً مباشرًا على سيادة الدول المضيفة.
تعاون إقليمي واستغلال البعثات الدبلوماسية
سلّط التقرير الضوء على تعاون متزايد بين القاهرة وعدد من الدول الحليفة في ملاحقة أو ترحيل نشطاء مصريين، رغم علم تلك الدول باحتمال تعرضهم للاضطهاد. وذكر بالاسم البحرين والكويت والسعودية والإمارات كدول وُجهت إليها اتهامات بالتنسيق مع مصر في هذا السياق. وأشار إلى أن أجهزة أمنية مصرية، في مقدمتها جهاز الأمن الوطني والمخابرات العامة، تنسق مع وزارة الخارجية لاستغلال البعثات الدبلوماسية كأدوات ضغط وتهديد ضد المصريين في الخارج.
وبيّن التقرير أن هذا النهج أدى إلى ترك بعض النشطاء عالقين بلا جنسية أو وثائق سفر سارية، ما يهدد إقاماتهم القانونية، بينما يعيش آخرون في خوف دائم من المراقبة أو الاعتداء. كما انتقد تقاعس سلطات إنفاذ القانون في بعض الدول المضيفة عن التعامل مع هذه الحالات بوصفها قمعًا عابرًا للحدود، والاكتفاء بالنظر إليها كمشكلات شخصية أو حوادث مضايقة معزولة.
انتهاكات للقانون الدولي ومطالبات بالمحاسبة
أكد المنتدى المصري لحقوق الإنسان أن هذه الممارسات تنتهك التزامات مصر بموجب القانون الدولي، بما في ذلك العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية مناهضة التعذيب، واتفاقية اللاجئين لعام 1951. ولفت إلى أن إساءة استخدام آليات الإنتربول، عبر إصدار نشرات حمراء بحق معارضين على أساس تهم سياسية، يمثل خطرًا متزايدًا على منظومة العدالة الدولية.
ودعا التقرير الحكومة المصرية إلى وقف سياسات الترهيب، وإنهاء الانتهاكات، والتراجع عن الإجراءات القنصلية العقابية التي تحرم المواطنين من جوازات السفر والوثائق الأساسية. كما حثّ الدول الأخرى على ضمان حماية النشطاء المصريين، ومراجعة أي تعاون أمني أو دبلوماسي مع القاهرة قد يعرّضهم لخطر الاضطهاد.
يعكس هذا التقرير صورة قاتمة عن تحوّل القمع إلى أداة عابرة للحدود، لا تكتفي بإسكات المعارضين، بل تسعى إلى كسرهم نفسيًا واجتماعيًا عبر استهداف دوائرهم العائلية، في محاولة لفرض الصمت خارج الوطن كما داخله.
https://www.newarab.com/news/egypt-targets-critics-abroad-punishes-families-home-report

