تشهد الأسواق المصرية قبيل شهر رمضان موجة جديدة من ارتفاعات الأسعار، تضرب الدواجن والبيض ومعظم السلع الغذائية الأساسية، بينما تواصل حكومة الانقلاب الحديث عن “توافر السلع” و”الرقابة على الأسواق”، في خطاب رسمي منفصل تمامًا عن واقع المواطنين الذين باتوا عاجزين عن توفير الحد الأدنى من احتياجاتهم اليومية.
الأسر التي كانت تعتمد على الدجاج والبيض كمصدر بروتين “رحيم” بالميزانية، تجد نفسها اليوم أمام أسعار تقفز يومًا بعد يوم، دون سقف واضح، ودون تفسير مقنع، سوى أن السوق تُترك لمن يملك القدرة على التحكم في المعروض والسعر، بينما الدولة تنشغل بالدعاية عن “جهود” لا يلمسها أحد.
في الخلفية، يترسخ نمط اقتصادي واحد تحت حكم عبد الفتاح السيسي: تضخم مرتفع، دخول تتآكل، وغياب فعلي لأدوات رقابة مستقلة على من يحتكر الغذاء ويستغل المواسم لتضخيم أرباحه.
بيض رمضان.. من بروتين الفقراء إلى سلعة ترفيهية
ارتفاع أسعار البيض خلال أسبوع واحد لم يعد مجرد رقم في نشرات الأخبار، بل صدمة يومية لميزانية الأسر. عضو شعبة المواد الغذائية باتحاد الغرف التجارية حازم المنوفي يؤكد أن سعر طبق البيض قفز بنحو سبعة جنيهات في أسبوع واحد، بزيادة تُترجم إلى جنيه تقريبًا كل يوم، مع قفزات أكبر في البيض البلدي تجاوزت خمسة وعشرين جنيهًا للطبق الواحد.
وفق حساباته، يستهلك طبق البيض في المتوسط ستة كيلو جرامات من العلف، ومع وصول سعر الكيلو إلى ثمانية عشر جنيهًا، تصبح التكلفة الفعلية للطبق حوالي مائة وثمانية جنيهات، بينما لا يتجاوز “السعر العادل” للمستهلك مائة وخمسة وعشرين جنيهًا، وهي أرقام تكشف أن ما يدفعه المواطن فوق ذلك يدخل مباشرة في جيوب حلقات الوساطة والتجار الكبار.
هذا التحليل يعني ببساطة أن بيض المائدة، الذي كان ملاذًا للفقراء والطبقات المتوسطة، لم يعد خيارًا سهلًا. أسرة تضم أربعة أو خمسة أفراد تحتاج إلى أكثر من طبق أسبوعيًا، ومع هذه القفزات يصبح الحديث عن “وجبة بيض” منتظمة نوعًا من الرفاهية لقطاع واسع من المصريين.
الخطير أن هذه الزيادات تأتي قبل أسابيع من رمضان، وهو موسم استهلاك مرتفع، ما يفتح الباب واسعًا أمام شبهة استغلال الموسم، ورفع الأسعار بدعوى زيادة الطلب، في غياب أي سقف ربحي ملزم، أو رقابة حقيقية تمنع الممارسات الاحتكارية.
دواجن بلا سعر عادل وسوق تحت رحمة الكبار
المشهد في سوق الدواجن لا يختلف كثيرًا عن البيض. رئيس شعبة الإنتاج الداجني بالغرفة التجارية في القاهرة عبد العزيز السيد يصف الارتفاع الكبير في أسعار الدواجن خلال الفترة الأخيرة بأنه “غير مبرر على الإطلاق”، مشيرًا إلى أن ما جرى أربك السوق وأثار تساؤلات واسعة لدى المستهلكين.
القاعدة الاقتصادية تقول إن زيادة المعروض يفترض أن تضغط الأسعار إلى الأسفل، لكن ما حدث هو العكس. طوال الأشهر الماضية، كان الخطاب الرسمي يؤكد عدم وجود أزمة في إنتاج الدواجن أو الأعلاف، ومع ذلك قفزت الأسعار إلى مستويات لا تتناسب مع دخول أغلب المصريين. هذا التناقض يفتح الباب أمام تفسير واحد: أن عددا محدودا من كبار المنتجين يتحكم في السوق ويستفيد من غياب الشفافية.
عبد العزيز السيد نفسه يلمح إلى هذا المعنى عندما يدعو صراحة إلى “محاسبة كبار المنتجين” وتحميلهم مسؤولية جزء كبير من الاضطراب الحالي، مع التأكيد على أن اللجوء للاستيراد من الخارج ليس حلًا استراتيجيًا، بل إجراء اضطراري لتهدئة موجة الغلاء عبر طرح دواجن مجمدة في الأسواق.
لكن الاستيراد بهذه الصورة يحمل هو الآخر كلفة على الاقتصاد المحلي. المنتج الصغير، والمربي الذي يعمل بهوامش ربح محدودة، يجد نفسه في مواجهة منافسة غير عادلة مع شحنات مستوردة تُستخدم كأداة ضغط لتخفيض السعر، دون أن تُعالَج جذور المشكلة: تكلفة إنتاج مرتفعة بسبب سياسات عملة وعلف، وسوق مفتوحة لعدد محدود من الكيانات الكبرى.
في النهاية، يبقى المستهلك الخاسر الأكبر، ما دام لا توجد جهة مستقلة تراجع هوامش الربح الحقيقية، ولا إطار واضح يضمن “سعرًا عادلًا” لا يكتفي بالحديث عنه في التصريحات، بل يُطبَّق فعليًا في المجازر والمحال وسلاسل التجزئة.
سياسات الانقلاب.. تضخم مزمن وغياب للمنافسة
أزمة الدواجن والبيض ليست معزولة عن السياق الاقتصادي الأوسع. التضخم في مصر ما زال عند مستويات مرتفعة، مع تآكل مستمر في القوة الشرائية، بينما تواصل حكومة الانقلاب الاعتماد على وصفة واحدة: رفع الفائدة، وتوسيع الاقتراض، والرهان على “الاستثمار الأجنبي” دون إصلاح حقيقي لبنية السوق أو حماية للمستهلك.
الخبير الاقتصادي هاني توفيق يشير إلى أن البيانات التاريخية للأسعار تثبت نمطًا واضحًا: الأسعار ترتفع بسرعة مع أي زيادة في التكلفة أو في سعر الصرف، لكنها لا تنخفض بالسرعة نفسها عندما تتحسن الظروف، بسبب غياب المنافسة الكافية وترك قطاعات كاملة لهيمنة عدد محدود من اللاعبين.
هذا التشخيص ينطبق حرفيًا على سوق الغذاء، حيث يسيطر كبار المنتجين والمستوردين على السلاسل الأساسية من العلف حتى المزرعة ثم المجزر وسلاسل التوزيع. ومع غياب هيئة منافسة قوية ومستقلة، وعدم نشر بيانات شفافة عن التكلفة وهوامش الربح، يصبح من السهل تحميل المواطنين كل الزيادات، والحفاظ على أرباح استثنائية في مواسم مثل رمضان.
في المقابل، تستمر حكومة الانقلاب في الحديث عن “رقابة على الأسواق” و”حملات لضبط المخالفين”، بينما الواقع يقول إن الضبط يتركز غالبًا على صغار التجار والباعة، ولا يقترب من شبكات المصالح التي تتحكم فعليًا في الأسعار. يتم استدعاء الاستيراد كحل سريع قبل كل موسم، بدل معالجة اختلالات سوق الأعلاف، ودعم المنتج الصغير، وتفكيك أو على الأقل تقييد الاحتكارات القائمة.
إصرار السلطة على إدارة الاقتصاد بمنطق الجباية وليس التنمية، وبمنطق إرضاء الدائنين لا حماية المستهلك، يجعل كل موجة غلاء جديدة أعلى وأقسى من سابقتها. ومع كل رمضان، تتحول موائد المصريين إلى مرآة واضحة لهذا الفشل: بروتين أقل، كميات أقل، وجودة أقل، في مقابل أسعار أعلى.
في سوق تُترك فيه الدواجن والبيض لرحمة كبار المنتجين، وفي دولة لا ترى في المواطن سوى دافع ضرائب ومستهلكًا يتحمل الفاتورة، يصبح السؤال الحقيقي اليوم: من يحمي المصريين من انفلات الأسعار، إذا كانت الجهة المفترض بها الحماية جزءًا من المنظومة التي تستفيد من بقاء الفوضى كما هي؟

