أعاد طرح مقترحات بإنشاء أو تطوير صندوق معاشات للمصريين بالخارج، مقوَّم بالدولار أو بعملة صعبة، فتح نقاش واسع حول مستقبل مدخرات ملايين العاملين خارج البلاد.
الفكرة تُقدَّم رسميًا بوصفها “شبكة أمان اجتماعي” تضمن معاشًا حقيقيًا لا يلتهمه انهيار الجنيه.
لكن في المقابل، تزداد المخاوف من أن تتحول إلى أداة جديدة لامتصاص الدولارات، في اقتصاد يعاني أصلًا من أزمة ثقة مع المدخرين في الداخل والخارج.
النقاش لا ينفصل عن تجارب سابقة مثيرة للجدل في إدارة أموال التأمينات والمعاشات، وعلى رأسها ملف الاتهامات التي لاحقت وزير المالية الأسبق يوسف بطرس غالي بشأن استخدام مئات المليارات من أموال المعاشات في سد عجز الموازنة والمضاربة في البورصة، وهي اتهامات تناولتها التحقيقات والبلاغات الصحفية والقضائية، بينما نفى الوزير السابق صحتها.
وعد معاش بالدولار.. المشروع على الورق
مقترح “معاش للمصريين بالخارج” طُرح علنًا في مقال للسيناتور حازم الجندي تحت عنوان “معاش آمن للمصريين بالخارج.. حق لا يحتمل التأجيل”.
دعا فيه إلى إنشاء صندوق معاشات اختياري، يتيح اشتراكات مرنة للمغتربين، تُدار استثماريًا وتُصرف على شكل معاش أو تعويض عند التقاعد أو العجز أو الوفاة.
في صيغ أكثر تطورًا يجري تداولها، يظهر عنصر جديد أكثر حساسية: ربط الاشتراكات والعوائد بالدولار أو بعملة صعبة، بحجة أن أغلب المصريين بالخارج يتقاضون رواتبهم بهذه العملات، وأن أي معاش بالجنيه سيفقد قيمته عند أول موجة تعويم جديدة. من زاوية مهنية، هذه الفكرة منطقية من حيث المبدأ، لأنها تحاول تحييد مخاطر سعر الصرف عن مدخرات طويلة الأجل.
لكن السؤال الجوهري يبقى: هل سيكون الصندوق مجرد وعاء “حسابي” بالدولار، بينما تُستثمر الأموال فعليًا بالجنيه داخل الاقتصاد المحلي، مع احتمال أن تُفرض في أي لحظة قيود أو أسعار تحويل غير عادلة عند صرف المعاشات؟
التجربة المصرية مع أدوات الادخار الحكومية تُظهر أن الصياغة على الورق شيء، وآليات التنفيذ ومخاطر تغيير القواعد في منتصف الطريق شيء آخر.
خبراء: بلا حوكمة واستقلال عن الموازنة.. الصندوق يفقد مبرره
الخبيرة المصرفية والنائبة السابقة بسنت فهمي تربط منذ سنوات بين استعداد المصريين بالخارج لوضع مدخراتهم في أدوات رسمية، وبين درجة ثقتهم في الدولة وأدائها الاقتصادي. في تصريحات سابقة، أكدت أن “لو شعر المصريون بالخارج بالثقة فى الحكومة الحالية والاقتصاد لزاد حجم التحويلات”، بل واقترحت آنذاك إصدار أدوات ادخار دولارية للمغتربين مرتبطة بضمانات واضحة.
من هذا المنظور، أي صندوق معاشات بالدولار لا يكفي أن يُعلن عنه سياسيًا؛ بل يحتاج إلى إطار قانوني يُثبت استقلال أمواله عن الموازنة العامة، ويضع قيودًا صارمة على استخدامها في تمويل العجز أو مشروعات لا يتحملها طابع صندوق معاشات طويل الأجل. بدون ذلك، يصبح الصندوق في نظر كثيرين مجرد “اسم جديد” لوعاء تمويل حكومي.
الخبير الاقتصادي هاني توفيق يذكّر دائمًا بأن تحويلات المصريين بالخارج مصدر حيوي للعملة الصعبة، لكنه يشير في تحليلاته إلى أن هذه التحويلات تتأثر بسرعة بأي اختلال في سعر الصرف الرسمي أو نشاط السوق الموازية، وأن ضغط السياسات على المغتربين لتحصيل الدولار بأي ثمن يهدد استمرار تدفق هذه الموارد.
هذا التحذير يمتد منطقيًا إلى فكرة صندوق المعاش بالدولار: إذا شعر المغترب أن الصندوق يُستخدم لإغلاق فجوة قصيرة الأجل في الدولار، أو أن قواعده يمكن تعديلها بقرار إداري، فلن يخاطر بمدخراته التقاعدية. المطلوب منتج طويل الأجل، لا أداة إنقاذ مؤقتة لحل أزمة عملة.
في المقابل، يطرح محمد فريد، رئيس الهيئة العامة للرقابة المالية، رؤية مختلفة لكن مفيدة للمقارنة. فريد يشدد في أكثر من مناسبة على أن صناديق المعاشات الخاصة والصناديق الادخارية جزء من استراتيجية تعميق الادخار طويل الأجل، بشرط خضوعها لقواعد حوكمة ورقابة تتماشى مع المعايير الدولية، وتضمن أفضل عائد ممكن للمشتركين.
إذا طُبّقت هذه الفلسفة بجدية على أي صندوق للمصريين بالخارج، فهذا يعني عمليًا:
• مجلس إدارة محترف ومستقل عن السلطة التنفيذية.
• سياسة استثمار متحفظة ومتنوعة، لا تسمح بتحويل الصندوق إلى “ذراع تمويل” للموازنة.
• تقارير ربع سنوية منشورة تفصيلًا عن أصول الصندوق وأدائه.
بدون هذه العناصر، يتحول الحديث عن “معاش آمن بالدولار” إلى شعار تسويقي أكثر منه ضمان حقيقي لحقوق المغتربين.
ذاكرة يوسف بطرس غالي تطارد الفكرة.. ما الشروط حتى لا يتكرر السيناريو؟
جزء كبير من القلق الشعبي لا يأتي من التفاصيل الفنية، بل من ذاكرة سياسية واجتماعية قريبة. بعد 2011، فتحت جهات قضائية تحقيقات في بلاغات اتهمت وزير المالية الأسبق يوسف بطرس غالي بالاستيلاء على نحو 435 مليار جنيه من أموال المعاشات لسد عجز الموازنة ودعم البورصة، وباستخدام مئات الملايين من أموال التأمينات وصناديق التأمين الخاصة في عمليات استثمار عالية المخاطر، ما تسبب في خسائر كبيرة، وفقًا لما نشرته صحف حكومية ومستقلة آنذاك.
هذه الاتهامات، التي نفاها غالي، انتهت إلى أحكام غيابية في بعض القضايا، لكنها تركت أثرًا عميقًا في وعي أصحاب المعاشات والرأي العام. الفكرة البسيطة التي استقرت في الأذهان هي أن أموال التأمينات يمكن أن تُعامل كـ“رصيد سهل” لسد العجز وتمويل خيارات حكومية، بدل أن تُدار كمدخرات خاصة لملايين الأسر.
حين يُعاد اليوم طرح صندوق معاش بالدولار للمصريين بالخارج، فإن هذه الخلفية لا يمكن تجاهلها. أي غموض في طبيعة العلاقة بين الصندوق والموازنة العامة سيُقرأ فورًا في ضوء تجربة يوسف بطرس غالي، حتى لو اختلفت الأسماء والوجوه.
لهذا السبب، تصبح الشروط التالية ليست ترفًا، بل الحد الأدنى لبناء الثقة:
• نص قانوني صريح يمنع استخدام أموال الصندوق في تمويل عجز الموازنة أو شراء أدوات دين حكومية تتجاوز نسبًا محددة، مع رقابة من البرلمان والجهاز المركزي للمحاسبات.
• فصل كامل بين إدارة الصندوق والوزارات الاقتصادية؛ على أن يخضع فقط لرقابة الهيئة العامة للرقابة المالية، وفق قواعد صناديق المعاشات الخاصة.
• إتاحة استثمار جزء معتبر من الأصول خارج مصر بعملات صعبة، من خلال مديري أصول دوليين، لخفض مخاطر انهيار العملة المحلية أو الأزمات الداخلية.
• حق المشترك في الاطلاع على مركزه المالي، وسحب أمواله أو تحويلها إلى أداة أخرى، وفق ضوابط واضحة لا تُترك لهوامش تقديرية واسعة.
في ظل هذه الضمانات، يمكن لصندوق معاشات مقوَّم بالدولار أن يكون أداة حقيقية لحماية مدخرات المصريين بالخارج، وأن يصحح جزءًا من الخلل التاريخي في علاقة الدولة بأموال المعاشات.
أما إذا ظل المشروع غامضًا في تفاصيله، ومفتوحًا على استخدامات لا يراها أصحاب الحق، فسيتعامل معه كثير من المغتربين باعتباره مجرد حلقة جديدة في مسلسل البحث عن “دولار المغترب”، لا شبكة أمان لمستقبله بعد التقاعد.

