أعاد تقرير حقوقي جديد تسليط الضوء على أوضاع النشطاء والمعارضين المصريين في الخارج، في ظل ما وصفه بتصاعد أنماط الاستهداف التي لم تعد تقتصر على الداخل، بل امتدت لتطال مواطنين يعيشون خارج البلاد، عبر إجراءات قانونية وإدارية وأمنية تؤثر عليهم وعلى أسرهم داخل مصر.

 

وأصدر المنبر المصري لحقوق الإنسان تقريره السنوي بعنوان “أينما ذهبوا”، متناولًا ما اعتبره تطورًا في أشكال التضييق التي يواجهها نشطاء مصريون في دول متعددة، مؤكدًا أن هذه الممارسات تهدف إلى تقييد نشاطهم السياسي والحقوقي، وإضعاف ارتباطهم بالبلاد، والتأثير على خياراتهم المتعلقة بالعودة.

 

وأوضح معتز الفجيري، مؤسس المنبر، في تصريحات صحفية، أن التقرير الجديد يوسّع نطاق الرصد مقارنة بتقرير سابق صدر في سبتمبر 2024، من حيث عدد الدول التي شملها البحث وعدد الحالات الموثقة، مشيرًا إلى أن الهدف من التقرير لا يقتصر على عرض الانتهاكات، بل يتضمن مقترحات لحلول عملية لمعالجة أوضاع مئات المصريين المقيمين في الخارج منذ سنوات طويلة.

 

واقترح التقرير تشكيل لجنة وطنية تضم منظمات حقوقية مستقلة وخبراء قانونيين من داخل مصر وخارجها، للنظر في شكاوى النشطاء المصريين في المهجر والعمل على تأمين حقهم في العودة دون خشية من الملاحقة، باعتبار ذلك خطوة ضرورية لتسوية ملف طال أمده.

 

توسّع أنماط الاستهداف خارج الحدود

 

يرصد التقرير ما وصفه بـ“بنية متكاملة” من الإجراءات التي تتجاوز الإطار المحلي، وتشمل، بحسب ما وثّقه، إساءة استخدام آليات التعاون الشرطي الدولي، وملاحقات قضائية، وحرمانًا من تجديد الوثائق الرسمية، ومراقبة رقمية، إضافة إلى حملات تشهير وضغوط على أفراد أسر النشطاء داخل مصر.

 

ويعرّف التقرير “القمع العابر للحدود” بأنه مجموعة من الأفعال أو الإجراءات التي تمتد آثارها خارج الإقليم بهدف معاقبة أو إسكات أشخاص في دول أخرى بسبب آرائهم أو أنشطتهم السياسية والحقوقية. واعتبر أن هذا النمط لم يعد حالات فردية، بل أصبح منظومة مترابطة من الأدوات، تبدأ بإجراءات إدارية مثل تجميد الوثائق أو تعطيل الخدمات القنصلية، وقد تتطور إلى قضايا وأحكام غيابية وإدراج على قوائم أمنية.

 

وأشار التقرير إلى أن قاعدة البيانات التي جمعها وثّقت نحو 84 حالة انتهاك، مع وجود ترابط بين الأنماط المختلفة؛ إذ قد يتعرض الشخص نفسه لعدة إجراءات متزامنة، مثل حرمانه من تجديد جواز السفر، مع ملاحقات قضائية في الداخل، وضغوط على أسرته.

 

وثائق وجنسيات وضغوط قنصلية

 

من أبرز ما تناوله التقرير ما وصفه بـ“العقاب القنصلي”، والذي لا يقتصر على تأخير الإجراءات، بل يشمل، وفقًا لما أورده، حالات رفض استخراج وثائق رسمية لأطفال مصريين في دول مثل بريطانيا وتركيا وتونس بسبب نشاط آبائهم السياسي. واعتبر التقرير أن هذه الممارسات تؤثر على الوضع القانوني للعائلات في دول الإقامة، وتخلق حالة من عدم الاستقرار القانوني والاجتماعي.

 

كما أشار إلى أن بعض النشطاء يواجهون صعوبات في تجديد أوراقهم الثبوتية، ما يحدّ من قدرتهم على التنقل أو العمل، ويزيد من هشاشة وضعهم في بلدان المهجر، ويضعهم تحت ضغط دائم مرتبط بمستقبل إقامتهم.

 

استهداف الأسر والضغط غير المباشر

 

وتطرق التقرير إلى ما وصفه باستخدام “الضغط غير المباشر” عبر استهداف أفراد من أسر النشطاء داخل مصر، حيث أظهر استبيان شمل 34 ناشطًا في الخارج أن 72% منهم أفادوا بتعرض ذويهم داخل البلاد لمداهمات أو استدعاءات أمنية أو قيود على السفر.

 

واعتبر التقرير أن هذه الإجراءات تهدف إلى الضغط على النشطاء في الخارج، ودفعهم إلى الحد من نشاطهم أو التراجع عنه. كما أشار إلى حالات قال إنها تُظهر ارتباطًا بين نشاط شخص في الخارج وتعرض أقاربه لإجراءات قانونية أو أمنية في الداخل، في ما وصفه بـ“الانتهاكات بالوكالة”.

 

دعوات إلى تسوية شاملة

 

وجدد التقرير دعوته لإطلاق مبادرة رسمية لمعالجة أوضاع المصريين المقيمين في الخارج لأسباب سياسية أو حقوقية، وتأمين عودتهم دون ملاحقة، وإنهاء الإجراءات التي تؤثر على أسرهم. وأكد أن معالجة هذا الملف تتطلب إرادة سياسية وخطوات عملية تعيد دمج هؤلاء في المجتمع، وتطوي صفحة النزوح القسري.

 

وأشار معدّو التقرير إلى أن الأرقام الموثقة قد لا تعكس الحجم الكامل للظاهرة، بسبب تردد كثير من المتضررين في الإبلاغ عن حالاتهم علنًا، خشية تعرضهم أو أقاربهم لإجراءات انتقامية.

 

سياق حقوقي دولي

 

يأتي صدور التقرير في وقت يشهد فيه ملف حقوق الإنسان في مصر متابعة دولية مستمرة. فقد دعت المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، في مذكرة سابقة، إلى اتخاذ خطوات ملموسة لمعالجة عدد من الملفات الحقوقية، بينما تضمّن تقرير الاستعراض الدوري الشامل لمجلس حقوق الإنسان مئات التوصيات المتعلقة بقضايا مثل حرية التعبير، والإخفاء القسري، والإفراج عن المحتجزين على خلفيات سياسية.

 

وفي ظل هذه التطورات، يرى معدّو التقرير أن معالجة أوضاع النشطاء المصريين في الخارج تمثل أحد الملفات الأساسية المرتبطة بتحسين الوضع الحقوقي العام، مؤكدين أن استمرار التوتر في هذا الملف يفاقم من أزمة الثقة بين الدولة وقطاع من مواطنيها في الداخل والخارج على حد سواء.