أثار إعلان وزارة الصحة المصرية فتح عيادات متخصصة لعلاج إدمان الألعاب الإلكترونية موجة جدل واسعة، ليس اعتراضًا على أهمية الصحة النفسية، بل بسبب الطريقة التي جرى بها تقديم القرار وكأنه «إنجاز» مستقل في منظومة تعاني أصلًا نقصًا في الكوادر وتآكلًا في الخدمة العامة. الإعلان جاء ضمن ترتيبات تتضمن تقديم الخدمة في عدد من مستشفيات الصحة النفسية وعيادات خارجية محددة الأيام، مع برامج تدريب ورفع وعي.

 

لكن تزامن الخطوة مع واقع تُعد فيه الأمراض غير السارية—مثل أمراض القلب والسرطان والسكري—السببَ الرئيسي للوفيات في مصر، أعاد سؤال الأولويات إلى الواجهة: هل تُدار الملفات الصحية بمنطق «اللافتة» أم بمنطق بناء نظام قادر على الاستجابة للأعباء الفعلية للمرض؟

 

عيادات «إدمان الألعاب».. الإعلان الرسمي والسؤال عن الأولويات

 

وفق ما نُشر حول المبادرة، جرى الحديث عن عيادات تقدم خدمات تشخيص وعلاج ودعم نفسي، وتستهدف رفع الوعي بمخاطر الإدمان الرقمي، مع الإشارة إلى تدريب كوادر وتخصيص مواعيد دورية داخل منشآت للصحة النفسية.

 

على الورق تبدو الخطوة منسجمة مع موجة عالمية متصاعدة من القلق حول الاستخدام القهري للشاشات لدى الأطفال والمراهقين. وهنا يلفت الدكتور محمد هاني، استشاري الصحة النفسية، إلى أن المشكلة لا تبدأ عند «اللعب» بوصفه نشاطًا ترفيهيًا، بل عند تحوله إلى نمط يومي يلتهم الوقت ويعزل الطفل عن الأسرة والدراسة ويؤثر على النوم والانفعال، مؤكدًا أن التدخل المبكر والتقييم المهني ضروريان قبل أن تتحول الحالة إلى اضطراب سلوكي ممتد.

 

غير أن جزءًا كبيرًا من الانتقادات لم يذهب إلى مضمون الخدمة، بل إلى دلالة اختيارها كعنوان متقدم في بلد يعاني ضغطًا مزمنًا على المستشفيات العامة، وتراجعًا في توافر الأطباء، واحتكاكات يومية داخل أقسام الطوارئ. وفي هذا السياق، يصبح السؤال منطقيًا: هل تمتلك المنظومة القدرة على تمويل وتوسيع «صحة نفسية متخصصة» بينما هي عاجزة عن سد احتياجاتها الأساسية في تخصصات حرجة أخرى؟

 

اضطراب الألعاب ليس مزحة: كيف يتحول اللعب إلى مرض

 

علميًا، لا يمكن التعامل مع المسألة باعتبارها «ترفًا» أو «موضة إعلامية». منظمة الصحة العالمية أدرجت “Gaming disorder” ضمن التصنيف الدولي للأمراض ICD-11 بوصفه نمطًا سلوكيًا يتسم بفقدان السيطرة على اللعب، وتقديمه كأولوية على حساب أنشطة الحياة، والاستمرار فيه رغم العواقب السلبية، مع تأثير واضح على الأداء الشخصي أو الدراسي أو الاجتماعي.

 

الدكتور وليد هندي، استشاري الصحة النفسية، يحذر من أن أخطر ما في الإدمان الرقمي أنه يتسلل تدريجيًا: يبدأ بزيادة ساعات اللعب ثم يتحول إلى عصبية مفرطة عند المنع، وتراجع في التحصيل، واضطراب في النوم، وقد يترافق مع ميول للعزلة أو سلوك عدواني لدى بعض الحالات، ما يجعل «المنع وحده» حلًا غير كافٍ إذا لم يُستبدل بخطة علاجية وسلوكية واضحة.

 

ويضيف الدكتور جمال فرويز، استشاري الطب النفسي، أن العلاج لا ينبغي أن يتحول إلى معركة يومية بين الأسرة والطفل، بل إلى مسار منظم يشمل تقييم الأسباب (هروب من ضغط مدرسي/فراغ/مشكلات أسرية)، وضبط الوقت تدريجيًا، وتقديم بدائل نشاط واقعية، مع تدخل متخصص إذا ظهرت علامات قلق أو اكتئاب أو اضطراب سلوك.

 

بهذا المعنى، وجود خدمة علاجية في حد ذاته خطوة يمكن الدفاع عنها. المشكلة التي يلتقطها الجدل الشعبي هي: لماذا تُقدَّم هذه الخدمة كأنها «الأولوية الأولى»، في حين تُترك ملفات أكثر كلفة إنسانية—كالسرطان وأمراض القلب—تواجه ازدحامًا ونقصًا وتمويلًا متعثرًا؟ أي أن الاعتراض يتعلق بالإطار السياسي والإداري للقرار، لا بوجود العلاج النفسي نفسه.

 

صحة منهكة: نقص الكوادر وتمويل هش يبتلع أي مبادرة

 

الخلل الأعمق يتجاوز «عيادة هنا أو هناك». تقارير دولية وإعلامية موثوقة تشير إلى أن مصر تواجه نقصًا حادًا في الأطباء مقارنة بالمتوسط العالمي، وأن جزءًا كبيرًا من الأطباء المدربين يعملون خارج البلاد، بينما تعاني المستشفيات العامة من ضعف التجهيزات والضغط على الأسرة والموارد.

 

وفي قراءة أكثر مباشرة، تقول الدكتورة منى مينا، عضو مجلس نقابة الأطباء سابقًا، إن أزمة الخدمة الصحية في جوهرها مرتبطة ببيئة عمل طاردة وتمويل لا يوازي حجم العبء، ما ينعكس على قدرة الدولة على الاحتفاظ بالأطباء وتوزيعهم وتوفير تدريب وحماية مهنية، مؤكدة أن أي مبادرات قطاعية ستظل محدودة الأثر إذا لم تُبنَ على إصلاحات هيكلية تمس الأجور والإنفاق والتجهيزات والحوكمة.

 

وعند وضع هذه الصورة بجوار حقيقة أن الأمراض غير السارية تمثل العبء الأكبر من الوفيات في مصر، يصبح من الصعب تبرير تقديم «إدمان الألعاب» باعتباره عنوانًا متقدمًا دون شرح كيف ستتوسع الدولة في خدمات القلب والأورام والسكري، وكيف ستعالج اختناقات المستشفيات العامة، وكيف ستمنع هجرة الكوادر.

 

الخلاصة أن عيادات علاج الإدمان الرقمي قد تكون إضافة مطلوبة، لكنها تتحول إلى مادة غضب حين تُدار كرسالة علاقات عامة لا كجزء من سياسة صحية متماسكة.

السياسة المتماسكة تعني: إدماج خدمات الصحة النفسية داخل الرعاية الأولية، وربطها ببرامج مدرسية وتوعوية، مع مسار إحالة واضح للحالات الشديدة، وفي الوقت نفسه رفع كفاءة المستشفيات العامة وتثبيت الأطباء وتحسين بيئة العمل.

بدون ذلك، سيبقى كل إعلان جديد—مهما بدا “حديثًا”—محكومًا بسؤال واحد يلاحق الحكومة: لماذا تتغير اللافتات بينما يبقى أصل الأزمة في مكانه؟