د. عبد التواب بركات

كاتب مصري – أستاذ مساعد في مركز البحوث الزراعية بالقاهرة

 

تهمل الحكومات العربية إنتاج القمح رغم أهميته في إنتاج الخبز كونه غذاء أساسيًا لكل الناس، ودوره السياسي في استقرار المجتمع وكلفته الاقتصادية في التجارة الدولية. وخلال عقود مضت، تستورد الدول العربية ثلاثة أرغفة خبز من كل أربعة يستهلكها المواطن العربي، بنسبة اكتفاء ذاتي لا تتعدى 30%. ورغم أن الدول العربية تشكل 5.5% من سكان العالم، فلا تنتج سوى 3.3% فقط من الإنتاج العالمي من القمح، وتقوم باستيراد 20% من القمح المتوفر في السوق الدولية. وفي ظل الأزمات الاقتصادية العالمية، كان الخبز غير متوفر في الأسواق العربية، وكان أحد الأسباب الرئيسة لاندلاع الثورات الشعبية الدموية المعروفة تاريخيًا بثورات الخبز في مصر سنة 1977، وفي تونس والمغرب سنة 1984، وفي الجزائر سنة 1986، وفي الأردن سنة 1989. وكان الخبز على رأس مطالب المتظاهرين في ثورات الربيع العربي التي اجتاحت المنطقة العربية وأسقطت الأنظمة في تونس ومصر وليبيا واليمن والسودان وسورية.

 

البذور عالية الإنتاج

 

ورغم أن المعدل العالمي لإنتاجية القمح، وهو متوسط إنتاج الهكتار الواحد، وصل إلى 3.5 أطنان للهكتار، فما زال معدل إنتاجية القمح في الدول العربية متوقف عند 2.8 طن للهكتار، ما يقل بمقدار 20% عن المعدل العالمي. وقد تخطى العالم هذا المعدل قبل سنة 2000 بسنوات، ما يعني أن المنطقة العربية تخلفت ربع قرن عن العالم في إنتاجية القمح. وأصبحت مصر أكبر دول العالم استيرادًا للقمح والجزائر في المركز الرابع، والمغرب في المركز التاسع، ولا توجد دولة عربية واحدة تكتفي منه ذاتيًا، حتى السودان، سلة غذاء العالم، يستورد القمح. ويرجع ذلك بصفة أساسية إلى أن الحكومات العربية تهمل تكنولوجيا إنتاج التقاوي المحسنة ولا توفر سوى 20% من المطلوب للزراعة. وقد اكتشف علماء تربية المحاصيل أن 50% من الزيادة في إنتاجية القمح ترجع إلى استخدام البذور عالية الإنتاج والمقاومة للجفاف والأمراض النباتية، وأن تكنولوجيا هذه البذور غير مكلفة. ويكفي للدول العربية استثمار 5 مليارات دولار في مجال تكنولوجيا البذور عالية الإنتاج ليزيد إنتاج القمح إلى الضعف، وهي زيادة يمكن أن تحقق الاكتفاء الذاتي للدول العربية من هذا المحصول الإستراتيجي، لكن من يسمع ومن لديه الإرادة السياسية؟!

 

عقب ثورة يناير 2011 في مصر، زرت برفقة زميل باحث في مركز البحوث الزراعية الراحل عبد السلام جمعة، الملقب بـ"أبو القمح"، مركز البحوث الزراعية في القاهرة. في حينها كان الرجل يشغل عدة وظائف مرتبطة بملف القمح في مصر والدول العربية، منها مدير المركز العربي لدراسات المناطق الجافة والأراضي القاحلة (أكساد) التابع لجامعة الدول العربية، ورئيس شعبة الإنتاج النباتي بأكاديمية البحث العلمي، ورئيس شعبة الزراعة والري في المجالس القومية المتخصصة، ورئيس مجلس الحبوب والمحاصيل البقولية، ونقيب الزراعيين، وقبلها شغل منصب رئيس مركز البحوث الزراعية ورئيس مركز بحوث الصحراء ورئيس مجلس إدارة الشركة الزراعية المصرية لإنتاج التقاوي، ومن يشغل كل هذه المناصب وغيرها يدرك قربه من وزير الزراعة الراحل يوسف والي ومن خلفه من الوزراء. ولفت نظري عند دخولنا مكتبه وجود نماذج لسنابل قمح عملاقة تزين المكتب الفسيح، فسألته: لماذا لا توزع هذه الأصناف من القمح على الفلاحين لزراعتها وتحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح؟!

 

فأجاب بأنها أصناف عادية من نباتات كانت مزروعة بجوار أكوام السماد البلدي على رأس حقول بعض المزارعين، وهذه الأصناف تعطي إنتاجية 20 أردبًا للفدان، ورغم أنها تفوق متوسط الإنتاجية العالمية لوحدة المساحة، لكن وزارة الزراعة تجد صعوبة في إقناع المزارعين بشرائها، لذلك فإن متوسط إنتاجية القمح على مستوى الجمهورية في حدود 17 أردبًا للفدان. وأضاف أن مصر لا يمكن أن تكتفي ذاتيًا من القمح، لأن مناخها صحراوي ولا تقع في حزام القمح العالمي المتميز بالبرودة ووفرة الأمطار خلال الشتاء الطويل، كما هي أوروبا والولايات المتحدة وكندا في الشمال، والبرازيل وأستراليا والصين في الجنوب، حيث يبذر المزارعون القمح في الوديان والهضاب الشاسعة قبل سقوط الجليد، ثم ينبت بعد ذوبان الجليد وينمو ويثمر ويحصد دون حاجة للري الصناعي، وهو ما لا يتوفر في مصر والمنطقة العربية.

 

الغريب، أنه بعد مرور 13 سنة من تلك الزيارة، وفي مؤتمر عن الزراعة العربية، وكان ضيف المؤتمر مسؤولًا رفيعًا يرأس أكبر مؤسسة زراعية رسمية في المنطقة العربية، ولها فروع وشركات زراعية في كل الدول العربية تقريبًا، وخلال جلسات المؤتمر المنعقد في العاصمة القطرية الدوحة، سألت إحدى الحاضرات نفس السؤال الذي وجهته لـ"أبو القمح" في مصر، وكانت الإجابة متطابقة تمامًا مع إجابة "أبو القمح" إلى حد الزعم أنهما اتفقا عليها أو أمليت عليهما من شخص واحد.

 

غياب الإرادة السياسية

 

جواب الرجلين ينافي الحقائق العلمية، وغير صحيح واقعيًا، فمصر لم تقع يومًا في حزام القمح المزعوم، وكانت سلة الغلال للإمبراطورية الرومانية، وتوفر القمح والخبز للمنطقة منذ فجر التاريخ وحتى منتصف القرن العشرين، ثم تحولت إلى أكبر دولة مستوردة للقمح بفضل سياسات زراعية غير مسؤولة، وبفضل حكام عسكريين تحولت إلى أكبر مستورد للقمح في العالم.

 

وإيران تكتفي ذاتيًا من القمح وهي خارج حزام القمح. والسعودية، شبه جزيرة صحراوية في محيط صحراوي قاري قاحل، وعندما قررت الاكتفاء الذاتي من القمح اكتفت في سنوات معدودات، بل تحولت إلى دولة مصدرة للقمح، بفضل سياسة دعم المزارعين التي تطبقها الولايات المتحدة من منتصف القرن الماضي وغيرها من دول القمح، ثم تخلت عن هدفها قبل نحو عقدين من الزمان بطريقة تشبه ما حدث للقمح في مصر. وأهدرت البنية التحتية للتجربة الناجحة والتي تقدر بمليارات الدولارات، من بيفوتات (خطوط) الري المحوري العملاقة وآلات الحصاد الحديثة وصوامع التخزين. ولكنها الآن تعود إلى هدف تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح، وتفرض سعرًا محفزًا لمزارعي القمح السعوديين يغطي التكلفة ويحقق هامش ربح مجز، ونتمنى لهذه السياسة الجديدة الاستمرار حتى تؤتي ثمارها وتحقق الاكتفاء الذاتي من القمح من جديد، وتكون نموذجًا وردًا عمليًا للحكومات التي تهمل دعم مزارعيها وتفضل أو تذعن لسياسات الإستيراد من الخارج.

 

وأخبرني أحد العلماء الذين عملوا مع "أبو القمح المصري" في الحملة القومية للنهوض بالقمح أن المزارعين يعزفون عن شراء التقاوي عالية الإنتاج لأن وزارة الزراعة تطرحها بأسعار عالية، وأن عبد السلام جمعة أوقف برامج تربية واستنباط أصناف القمح عالية الإنتاج بالطرق الوراثية غير التقليدية في مركز البحوث الزراعية لأسباب غير مفهومة، ويكتفي بما توصلوا إليه من أصناف بطرق التربية الكلاسيكية خلال الثمانينيات والتسعينيات. وأخبرني أكثر من خبير متخصص في مجال تربية القمح أنهم توصلوا إلى سلالات تنتج ضعف إنتاجية الأصناف التي تسمح وزارة الزراعة بتداولها، ولكن وزير الزراعة، من خلال المجالس التي يشرف عليها "أبو القمح"، يمنع توفيرها للمزارعين.

 

إفقار المزارعين

 

مما يؤسف له أن الحكومات العربية تتعامل مع المزارعين العرب، وغالبيتهم من صغار الملاك، بسياسة الجباية، فهم ينتجون 90% من المحاصيل الاستراتيجية، القمح والأرز والذرة، التي توفر الخبز والغذاء الذي ينشر الاستقرار الاجتماعي والسياسي في المجتمع، ويدعم بقاء تلك الحكومات على كراسي الحكم عقودًا طويلة. وفي المقابل، تحرم تلك الحكومات المزارعين من الدعم الزراعي والتمويل البنكي والأسمدة والتقاوي والمبيدات الزراعية المدعمة، وتفرض عليهم توريد محاصيلهم إجباريًا للدولة في مقابل أثمان بخسة لتلك المحاصيل، بما يشبه الإفقار الممنهج، وتحرمهم من الأسعار التحفيزية التي تشجعهم على الإنتاج، وأصبح الفقر ظاهرة ريفية في الدول العربية.

 

أما الشركات الزراعية الكبرى ومتعددة الجنسيات، فتستثمر في زراعة المحاصيل الهامشية، الفراولة والعنب والكنتالوب (الشمام)، وتصدرها للخارج، وتوفر لها الحكومات الأراضي الزراعية بأسعار بخسة، أو دون مقابل، وتمدها بالتمويل البنكي والبذور والأسمدة ومياه الري والكهرباء، ثم تقدم لها دعمًا ماليًا مباشرًا لا يقل عن 10% تحت مسمى تعزيز قدرات الصادرات التنافسية في الأسواق العالمية. وهي سياسات تتعارض مع عدالة توزيع الموارد والشفافية ودعم صغار المزارعين وعلاج الفقر الريفي، بل هي من أهم مسبباته.

 

فانتشر الفقر بين المزارعين العرب، وظهر مصطلح الفقر الريفي بعد أن كان الريف مصدر الثروة والغنى. وتثبت تقارير الصندوق الدولي للتنمية الزراعية أن 70% من سكان الريف العربي فقراء. ورغم أن البنك الدولي ومنظمات الأمم المتحدة وجدت أن الاستثمار في تنمية قطاع الزراعة كان أنجع المناهج وأكثرها فاعلية في التغلب على الفقر في الريف في معظم دول العالم، وأن نمو الناتج المحلي الإجمالي الناشئ عن الزراعة هو ضعف الناشئ من خارج قطاع الزراعة على الأقل، وكانت الزراعة أكثر فاعلية بمقدار 3.5 مرات في الحد من الفقر مقارنة بالنمو خارج قطاع الزراعة، لكن الفقر المدقع افترس المزارعين العرب واستوطن الريف العربي بسبب السياسات الحكومية الزراعية التي تستهدف إفقار المزارع العربي عن عمد.