لم تعد مجموعة حسن علام مجرد اسم قديم في عالم المقاولات المصرية، بل شبكة مترامية من الشركات القابضة و«مركبات التمويل» المنتشرة بين القاهرة وأمستردام وعواصم أخرى، في وقت تُ squeez الدولة فيه ضرائب ورسومًا حتى على أنفاس المواطنين لسد عجز الموازنة وخدمة الديون.

 

ومع ظهور كيانات تابعة للمجموعة في هولندا، الدولة المعروفة عالميًا بوصفها «ممرًا ضريبيًا» مفضَّلًا للشركات متعددة الجنسيات، تتصاعد الأسئلة: إلى أي مدى تُستخدم هذه الهياكل لتقليل الضرائب المستحقة في مصر؟ وما الذي يعرفه الرأي العام فعلًا عن أرباح واحدة من أكبر المجموعات الخاصة المرتبطة بمشروعات الدولة؟

 

شبكة شركات عابرة للحدود.. من القاهرة إلى أمستردام

 

الوثائق المنشورة عن مشروعات مجموعة حسن علام لدى مؤسسات التمويل الدولية تكشف أننا أمام كيان عابر للحدود بكل ما تعنيه الكلمة. فبحسب وثيقة للبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، تعمل المجموعة من خلال شبكة معقدة تضم أكثر من ثلاثين شركة تابعة وشقيقة، تنتشر في مصر وألمانيا وهولندا والسعودية وعُمان والأردن والكونغو والجزائر وغيرها، ضمن ما تصفه الوثيقة بـ«واحدة من أكبر مجموعات الهندسة والمقاولات الخاصة في مصر والمنطقة».

 

في قلب هذه الشبكة تظهر هولندا، حيث تسجل قواعد بيانات الشركات وجود كيان باسم Hassan Allam Holding B.V. في أمستردام، بوصفه شركة قابضة تمثل المظلة القانونية والمالية لأجزاء من المجموعة خارج مصر. وتظهر أيضًا شركة أخرى، HAU Energy B.V.، مسجلة في هولندا كـ«مركبة تمويل» لمشروعات الطاقة المتجددة التي تطورها Hassan Allam Utilities في مصر وأفريقيا، وهي الشركة التي استثمر فيها البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية عشرات الملايين من الدولارات لتمويل مشروعات رياح وكهرباء خضراء.

 

على الورق، كل هذا يبدو طبيعيًا في عالم الشركات العابرة للحدود: مجموعات كبرى تؤسس شركات قابضة في أوروبا، وتمويل دولي يمر عبر كيانات خاصة في عواصم مالية مهمة. لكن وضع هولندا بالذات ليس عاديًا؛ فالدولة معروفة في الدراسات الاقتصادية والحقوقية بأنها «دولة ممر ضريبي»، تُستخدم لتحويل الأرباح من دول نامية إلى ملاذات أقل ضريبة، عبر شركات ذات غرض خاص واتفاقيات مزدوجة للضرائب تمنح معاملة تفضيلية على الأرباح والفوائد والحقوق.

 

هولندا كمحطة ترانزيت ضريبية.. أين تقف حسن علام من النمط العالمي؟

 

دراسات متعددة صدرت عن منظمات بحثية هولندية ودولية وصندوق النقد تؤكد أن هولندا تؤدي دورًا محوريًا في شبكة التجنب الضريبي العالمية. تقارير لمعهد الأبحاث SOMO تصفها صراحة بأنها «ملاذ ضريبي فعّال» للشركات متعددة الجنسيات، بفضل شبكة واسعة من اتفاقيات منع الازدواج الضريبي وقواعد مرنة للشركات القابضة، ما يسمح بتمرير أرباح بمئات المليارات عبرها مع ضرائب محدودة للغاية. تقارير أخرى للبنك المركزي الهولندي توضح أن ما يسمى «الشركات ذات الغرض الخاص» في هولندا لعبت لسنوات دور قناة لعبور الدخل إلى ولايات منخفضة الضرائب، قبل أن تبدأ الحكومة في تضييق هذا الدور تحت ضغط دولي متزايد.

 

حين يختار لاعب مصري كبير مثل حسن علام تسجيل شركة قابضة ومركبات تمويل في أمستردام، فهو لا يخترع العجلة؛ بل يدخل إلى نمط عالمي راسخ: استخدام هياكل قانونية نظيفة ظاهريًا لتخفيض الفاتورة الضريبية قدر الإمكان. من الناحية القانونية البحتة، هذا قد يندرج تحت ما يُسمى «التجنب الضريبي» لا «التهرب»؛ أي استخدام ثغرات وقواعد مشروعة لتقليل ما يُسدَّد للدولة من ضرائب، خاصة في دول نامية مثل مصر.

 

المشكلة أن غياب الشفافية الكاملة يحوّل ما يمكن أن يكون «ترتيبًا ضريبيًا مشروعًا» – حتى لو كان مجحفًا مجتمعيًا – إلى مساحة مظلمة تملؤها الشكوك. فلا توجد بيانات علنية تبيّن بوضوح: كم تجني المجموعة من أرباح داخل مصر؟ كم يُحوَّل منها إلى الكيانات الهولندية؟ وكم تدفع فعليًا من ضرائب على هذه الأرباح في مصر مقابل ما تدفعه في الخارج؟ في ظل غياب هذه الأرقام، يظل الهيكل الهولندي قائمًا من حيث الشكل، بينما يظل النقاش حول جوهر ما يحققه ضريبيًا لمصر أو عليها معلقًا في الهواء.

 

منظومة بلا شفافية.. المواطن يدفع الفاتورة كاملة والكبار يجدون المخارج

 

الأزمة هنا ليست في حسن علام وحدها، بل في البيئة القانونية والضريبية المصرية ككل. فالدولة التي ترفع أسعار الضرائب والرسوم والدمغات على المواطنين والمهنيين الصغار، لا تلزم المجموعات الكبرى حتى الآن بنشر تقارير «دولة بدولة» توضح بدقة في أي بلد تُحقَّق الأرباح، وفي أي بلد تُدفع الضرائب، وهي آلية بدأت دول كثيرة في تطبيقها لضبط سلوك الشركات متعددة الجنسيات. كما لا توجد شفافية حول ما إذا كانت هناك اتفاقات خاصة أو تسويات ضريبية مع كبار المجموعات، ولا يُتاح للبرلمان أو الرأي العام الاطلاع على تفاصيل ما يدفعه هؤلاء مقارنة بما يحصلون عليه من عقود بالمليارات مع الحكومة والهيئات العامة.

 

في المقابل، يتحرك العالم تدريجيًا لتقييد ظاهرة استخدام دول الممر والملاذات الضريبية على حساب البلدان النامية. منصات تعاون ضريبي دولية تدعو إلى إعادة التفاوض على اتفاقيات منع الازدواج الضريبي لمنع «تسوّق المعاهدات»، وإلى وضع قواعد تمنع تمرير الأرباح بشكل صوري عبر دول وسيطة. هولندا نفسها تعرضت لضغوط أوروبية ودولية دفعتها إلى تعديل بعض قواعدها وتقليص دور الشركات ذات الغرض الخاص التي تمر عبرها التدفقات إلى ملاذات أقل ضريبة.

 

وسط هذا كله، يبقى السؤال في مصر معلقًا: هل تقبل الدولة التي تطلب من المواطن البسيط أن يتحمل موجات التضخم وتخفيض الدعم ورفع الضرائب، أن تترك في الوقت نفسه الباب مفتوحًا أمام المجموعات الكبرى لتستخدم هياكل عابرة للحدود قد تقلل ما تدفعه من حصتها العادلة؟ أم أن الوقت حان لفرض قواعد شفافية وإفصاح حقيقية، تلزم كل من يحصل على عقود الدولة وخدماتها أن يعلن أمام الناس: كم كسب من البلد، وكم دفع له، وكم مرّر من أرباحه عبر أمستردام وغيرها؟

 

إلى أن تُجاب هذه الأسئلة ببيانات لا بشعارات، سيظل هيكل شركات حسن علام بين القاهرة وهولندا مثالًا حيًا على مفارقة صارخة في الاقتصاد المصري: مواطن محاصر لا يملك مهربًا من الضريبة والرسوم، ومجموعات ضخمة تملك دومًا خيار تأسيس «شركة قابضة» في عاصمة أوروبية أنيقة… لتظل العدالة الضريبية، مثلها مثل كثير من الوعود، مشروعًا مؤجلًا.