مختار حداد

خبير بالشأن الإيراني

 

تتوجه الأنظار الإقليمية والدولية مجددا صوب العاصمة العمانية مسقط، التي لطالما كانت من أهم الوسطاء بين إيران وأمريكا.

 

ولكن هذه المرة، تختلف الأجواء المحيطة بطاولة الحوار اختلافا جذريا عما سبق.

 

فالمفاوضات غير المباشرة المزمع عقدها يوم الجمعة المقبل بين طهران وواشنطن، لا تأتي في ظل رغبة دبلوماسية روتينية، بل تعقد فوق صفيح ساخن، وتحت وطأة تجربة لم يمضِ عليها الكثير، تمثلت في "حرب الـ12 يوما" التي نسفت الجولة السابقة من المفاوضات، ودخلت إيران، وأمريكا، وإسرائيل في مواجهة مباشرة.

 

تشير المعطيات الميدانية والتقارير الواردة من الأروقة الدبلوماسية في طهران، إلى أن الوفد الإيراني يحمل في حقيبته إستراتيجية مغايرة هذه المرة، قوامها "الحذر المسلح".

 

لم تعد الدبلوماسية الإيرانية تؤمن بالابتسامات العريضة كضمانة للاتفاق، بل باتت ترى في "الميدان" الضلع الموازي والمحفوظ للدبلوماسية، خاصة بعد تجربتها في يونيو الماضي، حينما كانت الطاولات تنصب للتفاوض في جولتها السادسة، وصفير الحرب في يوم الجمعة، وفي أوج الحديث عن السلام، أنهى اتفاق (يوم الأحد).

 

أما اللافت هذه المرة فهو الحراك الإقليمي الواسع ليجلس الجانبان على طاولة المفاوضات؛ لمنع الإقليم من دخول أبواب حرب إذا بدأت فنهاياتها لن تكون واضحة.

 

العودة إلى ما قبل الانفجار: استئناف لا استكشاف

 

الرسالة الإيرانية التي سبقت الوفد إلى مسقط كانت واضحة وحاسمة: طهران لا تذهب إلى عُمان لتبدأ من الصفر، ولا لتعيد اختراع العجلة.

 

المطلب الإيراني يتمحور حول نقطة جوهرية، وهي استئناف المفاوضات من النقطة الدقيقة التي توقفت عندها قبل اندلاع المواجهة العسكرية الأخيرة (حرب الـ12 يوما).

 

في القراءة الإيرانية، النصوص التي تم الاتفاق عليها سابقا هي "حقوق مكتسبة" تم انتزاعها عبر ماراثون طويل من الأخذ والرد، ولا يمكن للمتغيرات العسكرية التي حاولت واشنطن أو تل أبيب فرضها أن تمحو تلك التفاهمات.

 

إن الإصرار الإيراني على "نقطة التوقف" يحمل دلالة سياسية عميقة؛ فهو يعني أن طهران ترفض اعتبار الحرب الأخيرة أداة ضغط قد تجبرها على تقديم تنازلات جديدة.

 

بل على العكس، ترى طهران أن عدم تراجعها خلال تلك الأيام الـ12 يمنحها ثقلا إضافيا للتمسك بما كان متفقا عليه.

 

"الميدان والدبلوماسية": الدرس المستفاد

 

لعل التحول الأبرز في العقيدة التفاوضية الإيرانية الحالية هو ترسيخ مفهوم تلازم المسارين: الميدان والدبلوماسية.

 

في السابق، كان هناك جدل داخلي أو خارجي حول أولويات هذين المسارين، لكن التجربة الأخيرة حسمت الجدل.

 

لقد أثبتت الوقائع والتجربة للجانب الإيراني خلال الأشهر الأخيرة أن الذهاب إلى المفاوضات دون "يد على الزناد" هو مجازفة.

 

تدرك طهران اليوم وخاصة صناع القرار فيها، أكثر من أي وقت مضى، أن التهديد العسكري ليس ورقة من الماضي، بل هو سيف تم إشهاره حتى في ذروة اللقاءات الدبلوماسية.

 

لذا، فإن المحادثات في مسقط ستجري بينما القوات المسلحة الإيرانية في حالة تأهب، والرسائل الميدانية ستظل تتدفق موازاة مع الرسائل الدبلوماسية.

 

المنطق الإيراني يقول: "لن نفاوض تحت النار مرة أخرى دون أن نكون نحن أيضا مصدر النار".

 

هذا التوازن حسب رؤية إيران هو ما سيحكم إيقاع مفاوضات الجمعة؛ مرونة في النصوص، وجهوزية في الميدان؛ لضمان عدم تكرار هجوم يونيو الماضي.

 

حصر النقاش: الملف النووي حصرا

 

في خطوة لمنع توسيع دائرة النقاش لتشمل ملف القوة الصاروخية، حددت طهران "الملف النووي" كبند وحيد وأوحد على جدول الأعمال.

 

الجانب الإيراني يرى أن فتح الملفات الأخرى في ظل الهشاشة الحالية للوضع الأمني، هو فخ ومسعى إسرائيلي المصدر، وأمريكي المتابعة يهدف إلى تجريد إيران من أوراق قوتها.

 

التركيز على النووي فقط يعني أن طهران تريد "حلا تقنيا سياسيا" ينهي كذلك ملف العقوبات، ولا تبحث عن "صفقة كبرى" مع الإدارة الأمريكية.

 

اللافت في هذه المفاوضات هو الدور الإقليمي الكبير، واستمرار عدم رغبة الجانبين في أن يكون للأوروبيين دور في هذه المفاوضات.

 

الظل الإسرائيلي والمهمة التخريبية

 

لا يمكن الحديث عن مفاوضات مسقط دون استحضار "الغائب الحاضر": الكيان الإسرائيلي.

 

تشير التحليلات إلى أن تل أبيب هي المتضرر الأكبر من أي تهدئة محتملة، الدور الإسرائيلي المتوقع خلال الأيام القادمة لن يخرج عن إطار "التخريب الممنهج".

 

لقد كان لإسرائيل دور محوري في إشعال فتيل حرب الـ12 يوما، بهدف نسف الطاولة في اللحظات الأخيرة لمنع التوصل إلى اتفاق.

 

واليوم، مع عودة الأطراف إلى مسقط، تتزايد المخاوف من عمل أمني أو استخباراتي إسرائيلي جديد يهدف إلى خلط الأوراق.

 

طهران تعي هذا جيدا، وتعتبر أن مسؤولية واشنطن لا تقتصر فقط على التفاوض، بل تمتد لتشمل "لجم" حليفها في تل أبيب إذا كانت الإدارة الأمريكية جادة فعلا في تجنب حرب إقليمية شاملة لن تبقي ولن تذر.

 

مفاوضات حذرة

 

أجواء المفاوضات ليست احتفالية، والثقة بين الطرفين متزلزلة.

 

الجانب الإيراني يشارك ليس بتفاؤل مفرط، بل لإعطاء فرصة مرة أخرى للدبلوماسية وتلبية لجهود الوسطاء العديدين الإقليميين.

 

اليوم مجرد انعقاد الاجتماع في مسقط يعد مؤشرا على أن خيار الحرب المفتوحة لا يزال مكلفا جدا، وأن الدبلوماسية- مهما كانت عرجاء- تظل الخيار الأقل سوءا.

 

خاتمة: الجمعة المنشودة

 

في الختام، تتجه إيران إلى مسقط يوم الجمعة وهي تحمل عقيدة راسخة بأن "الكلمة الطيبة" في العلاقات الدولية تحتاج إلى "بندقية جاهزة" لحمايتها. المفاوضات قد تنجح في حلحلة العقد الفنية في الملف النووي، ولكن أن نقول إن التهديد العسكري قد زال هو خطأ إستراتيجي لا تنوي طهران الوقوع فيه.

 

إن نجاح مسقط هذه المرة مرهون بمدى استيعاب واشنطن الواقع الجديد: إيران ما بعد حرب الـ12 يوما ليست كما قبلها، ولغة التهديد لم تعد تجدي نفعا مع دولة تتقن اللعب على حبال الدبلوماسية بنفس البراعة التي تدير بها ميادين المواجهة.

 

الكرة الآن في الملعب الأمريكي، إما العودة إلى التفاهمات السابقة بضمانات حقيقية، أو الاستعداد لمواجهة حقيقة أن زمن "التفاوض تحت النار"، قد ولى، وحل محله زمن "الرد بالمثل".

 

كما أن إيران التي قدمت ضمانات كبيرة في اتفاق عام 2015، مستعدة اليوم لذلك، وأن الفتوى الدينية في إيران تدعم هذه الضمانات بأن برنامج إيران النووي لم يخرج عن المسار السلمي.

 

فإذا الإرادة الجادة للتفاوض ترسخت يوم الجمعة، فإن هذا اليوم لن يكون اليوم الأخير للتفاوض، وسيكون الاتفاق في متناول اليد.