بدلًا من الحديث عن رفع الأجور أو ضبط ساعات العمل، خرج علاء عز  رئيس اتحاد منظمات الأعمال الأورومتوسطية ليتباهى بأن متوسط أجر العامل في تركيا 800 دولار مقابل 180 دولارًا فقط في مصر، مقدِّمًا هذا الفارق الفاضح كـ«ميزة تنافسية» لجذب استثمارات تركية بقيمة 15 مليار دولار حتى 2026. التصريح لم يُقرأ كفرصة اقتصادية، بل كاعتراف رسمي بأن المصريين يُعرضون في سوق الاستثمار الدولي كـ«عمالة رخيصة»، في لحظة يعيش فيها أغلبهم تحت ضغط تضخم يلتهم ما تبقّى من دخولهم، وساعات عمل تُقارب الاستنزاف الجسدي والنفسي.

 

هذا المشهد لا يقف عند جملة عابرة في لقاء إعلامي؛ بل يكشف فلسفة حكم كاملة ترى في الفارق الذي يصل إلى نحو 380% لصالح العامل التركي «ميزة»، لا فضيحة، وفي أن يتقاضى المصري 180 دولارًا ويعمل 10–12 ساعة يوميًا «فرصة»، لا جريمة اجتماعية واقتصادية موثَّقة بالأرقام والتقارير الدولية.

 

تباهٍ رسمي برخص العمالة.. وغضب واسع على السوشيال

 

سريعًا، تحوّل تصريح علاء عز إلى مادة مشتعلة على مواقع التواصل. كثيرون قرأوا في كلامه تباهيًا فجًّا بـ«رخص المصري» أمام المستثمر الأجنبي. أحد المعلقين لخّص الفارق قائلًا إن العامل التركي يحصل على ما يقارب أربعة أضعاف نظيره المصري، وهو ما أشارت إليه تغريدة حساب @cenwar30:

 

 

الناشط والمحامي عمرو عبد الهادي ذهب أبعد من ذلك، معتبرًا أن ما قيل هو «جريمة كاملة الأركان» لأنه يفتح الباب لاستغلال العمالة المصرية كسخرة، ويتعارض مع اتفاقيات منظمة العمل الدولية، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، فضلًا عن المواثيق الإقليمية كالميثاق الاجتماعي الأوروبي والعربي لحقوق الإنسان:

 

 

تعليقات أخرى استخدمت لغة أكثر حدّة؛ حساب (محمد) وصف طريقة حديث المسؤولين عن المصريين بأنها نظرة إلى الشعب كـ«عمالة رخيصة و$خة»:

 

 

بينما قدّم حساب @ahmad1963120 صورة عملية لما يعنيه هذا «الرخص» على الأرض: مناوبات قد تصل إلى 36 ساعة كل 48 ساعة، في بيئة يصفها بـ«الاستعباد والسمّية»، مع مطالبة واضحة بوضع ضوابط وقوانين جديدة للعمل:

 

 

أحمد الأنصاري أضاف بعدًا آخر حين وصف المصانع الأجنبية بأنها تتعامل مع مصر كـ«ترانزيت»: تستفيد من العمالة الرخيصة، والإعفاءات الضريبية، والقروض، ثم تصدر منتجاتها للخارج وتبيع الفائض الرديء في السوق المحلي بأسعار مبالغ فيها، مستغلة ضعف قدرة الناس على المطالبة بحقوقهم:
 

 

بهذا المعنى، لم تُفهم تصريحات علاء عز كإشارة إلى «فرص استثمارية»، بل كترجمة فجّة لفلسفة تقول للمستثمر: تعال إلى بلد لا يحمي عماله، ولا يرفع أجورهم، ولا يلتزم حتى بحدود قانون العمل الذي يكتبه بنفسه.

 

ساعات عمل قاتلة وأجور لا تكفي.. واقع العمال خلف الأرقام

 

وراء هذه اللغة «الاستثمارية» تجلس أرقام صلبة عن واقع العمل في مصر. نحو 22 مليون مصري – أي ما يقارب 70% من إجمالي المشتغلين – يعملون أكثر من 10 ساعات يوميًا، في تجاوز مباشر للحد الأقصى الذي حدده قانون العمل رقم 12 لسنة 2003 والقانون الجديد الذي أُقر في فبراير 2023، والذي نص على ألا تتجاوز ساعات العمل اليومية 8 ساعات فقط.

 

هذا الضغط ينعكس في قصص العمال الذين يضطرون للجمع بين وظيفتين أو ثلاث. منصّة «صحيح مصر» رصدت نماذج مثل محمد إسماعيل الذي يعمل في شركة زراعية ومغسلة سيارات لأكثر من 12 ساعة يوميًا، ومحمد رضا الذي يجمع بين الكول سنتر والتصوير التجاري والأفراح، وسامح إبراهيم الذي يعمل كاشير صباحًا وحارس أمن مساءً ليصل دخله إلى 15 ألف جنيه بالكاد يغطي مصاريف أسرته – على حساب نوم لا يتجاوز 4 أو 5 ساعات في اليوم، وإجازات تُستنزف في الشغل الإضافي لا الراحة.

 

ورغم الادعاء المتكرر بأن «مصر أكثر دولة في العالم تحصل على إجازات»، فإن المقارنات تكشف العكس: العامل المصري يحصل على 21 يومًا إجازة سنوية بعد عام من تعيينه، و22 يومًا رسمية، لتحتل مصر المرتبة السادسة عالميًا، متساوية مع بنجلاديش، بينما تتفوق عليها ميانمار بـ32 يومًا ونيبال بـ30 يومًا.

 

بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء تقول إن متوسط ساعات العمل الأسبوعية انخفض من 55 ساعة في 2011 إلى 48 ساعة في 2023، لكنه لا يزال من بين الأعلى عالميًا. موقع World Population Review يقدّر معدل ساعات العمل الأسبوعية خلال الأشهر الأولى من 2025 بنحو 45.5 ساعة، أي 9.1 ساعة يوميًا، مع قطاعات مثل تجارة الجملة والتجزئة، وخدمات الغذاء والإقامة، والنقل والتخزين، تتجاوز 220 ساعة شهريًا، أي أكثر من 10 ساعات يوميًا.

 

في المقابل، تراجَع متوسط أجر العامل المصري من ما يعادل 113.8 دولارًا في 2014 إلى 40.8 دولارًا فقط في 2023، بينما يتقاضى العامل الصيني ما بين 275 و370 دولارًا شهريًا، والعامل التركي 800 دولار في المثال الذي تباهى به علاء عز. الأخطر أن 29.3% فقط من العاملين في مصر مشمولون بالتأمينات الاجتماعية (9.1 مليون من أصل 31 مليون مشتغل)، ما يعني أن أغلبية القوة العاملة تعمل بلا مظلة حقيقية للحماية.

 

كل ذلك يحدث في ظل تضخم سنوي في المدن بلغ 12.8% في فبراير 2025 وارتفع إلى 13.6% في مارس، مع زيادة أسعار الغذاء بنسبة 6.6% في مارس وحده، لتتآكل الأجور الهزيلة أكثر، ويزداد اعتماد الأسر على الديون والعمل الإضافي والهجرة المؤقتة.

 

تقرير منظمة العمل الدولية لعام 2023 شدّد على أن تقليل ساعات العمل يحسّن السلامة والصحة المهنية، ويرفع الإنتاجية، ويقلل التكاليف، محذرًا من أن أكثر من ثلث العاملين عالميًا يعملون لأكثر من 48 ساعة أسبوعيًا بانتظام. في مصر، تُستخدم نفس هذه الساعات المفرطة كـ«ميزة» لاستقطاب مصانع تبحث عن يد عاملة منهكة ورخيصة، لا عن بيئة عمل عادلة ومنتجة.

 

من تركيا إلى الصين: لماذا تهرب المصانع إلى مصر؟

 

في هذا السياق، يصبح تصريح علاء عز عن الفارق بين أجر العامل التركي والمصري، واعتباره 180 دولارًا «ميزة تنافسية»، جزءًا من مشهد أوسع ترصده صحيفة “ساوث تشاينا مورنينج بوست” في تقريرها:
لماذا تنتقل المصانع الصينية إلى مصر في ظل الحرب التجارية مع الولايات المتحدة؟

 

التقرير (الذي كتبته الصحفية ميا نوليمايتي) يشرح أن عدد المصنّعين الصينيين الذين ينقلون إنتاجهم إلى مصر في تزايد مضطرد، لتفادي الرسوم الجمركية الأمريكية الباهظة التي وصلت في بعض الحالات إلى 145% على السلع الصينية و49% على واردات جنوب شرق آسيا. في المقابل، تقدم مصر «باقة مغرية»:

 

عمالة تتراوح أجورها بين 100 و150 دولارًا شهريًا، أي أقل من نصف نظيرتها في جنوب شرق آسيا.

 

إعفاءات ضريبية وحوافز واسعة في مناطق مثل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.

 

قدرة على إعادة تصدير المنتجات للأسواق الغربية بعلامة «صنع في مصر» لتجاوز الرسوم العقابية على الصين.

 

التقرير يشير إلى أن مصر استقبلت عشر صفقات استثمارية صينية جديدة بقيمة 60 مليون دولار في مارس، معظمها في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وأن إجمالي الاستثمار الصيني المباشر بلغ 1.29 مليار دولار حتى 2023، مع أكثر من 2500 شركة صينية عاملة، بينها شركات كبرى مثل ZTE وOPPO وGAC MotorK. هذه الأرقام تُقدَّم رسميًا كدليل نجاح لسياسات جذب الاستثمار، لكنها، في ضوء فارق الأجور وساعات العمل والتأمينات، تقول شيئًا آخر تمامًا: مصر تُباع كموقع مثالي لمن يريد إنتاجًا كثيفًا بأقل تكلفة بشرية ممكنة.

 

عندما تُقدَّم للتركي والصيني والأوروبي حزمة واحدة: عامل يتقاضى 180 دولارًا أو أقل، يعمل 10 ساعات أو أكثر، بلا تأمين فعلي ولا أجر يكفي، في اقتصاد تضخمه من رقمين وأسعاره تحلّق؛ ثم يُقال للناس إن هذا «طريق التنمية»؛ فالغضب ليس رد فعل مبالغًا فيه، بل الحد الأدنى من الدفاع عن فكرة أن الإنسان المصري ليس سلعة تُسوَّق في عروض الاستثمار، بل صاحب حق في أجر عادل، وساعات عمل إنسانية، وحياة كريمة لا تُختزل في كونه «أرخص عامل في المنطقة».