تثبيتًا لمسار تمدد العسكر في قلب الاقتصاد، انتقل السكر الأبيض رسميًا إلى «منطقة عسكرية اقتصادية مغلقة» بعد أن أسند مجلس المحاصيل السكرية بوزارة الزراعة ملف استيراده وتصديره حصريًا إلى جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة التابع للقوات الجوية، في امتدادٍ مباشر لاحتكاره القمح وزيوت الطعام وسلعًا استراتيجية أخرى.
القرار يُسوَّق إعلاميًا باعتباره «تنظيمًا للسوق وامتصاصًا لفائض إنتاج يقترب من مليون طن»، لكن عند وضعه في سياق ديون خانقة، وتوسع غير مسبوق لدور الجيش الاقتصادي، وغياب كامل للشفافية والرقابة، يصبح السؤال أكثر خطورة: هل نحمي الأمن الغذائي للمواطن، أم نُحكم رهنه لمؤسسة واحدة فوق المساءلة؟
في هذا التقرير، نقرأ خطوة احتكار السكر عبر منظور أربعة من أبرز الأصوات الاقتصادية: سالي صلاح، عالية المهدي، محمد فؤاد، ومراد علي، الذين حذّروا – كلٌّ من زاويته – من مسار يقود إلى «حلقة مميتة» من الديون وبيع الأصول وتغوّل الدولة العسكرية على حساب المجتمع والاقتصاد.
احتكار عسكري للسكر بعد القمح والزيت
بحسب تقرير «العربي الجديد»، قرر مجلس المحاصيل السكرية أن يتولى جهاز «مستقبل مصر» حصريًا عمليات استيراد وتصدير السكر الأبيض عبر البورصة المصرية للسلع، بالتزامن مع إعادة فتح باب تصدير السكر في يناير ٢٠٢٦ لأول مرة منذ ثلاث سنوات، بدعوى امتصاص فائض محلي يقترب من مليون طن، مع تراجع استهلاك الأسر للحلويات والمشروبات المحلاة بفعل الغلاء.
الأسعار العالمية تدور حول ٤٠٥ دولارات للطن (قرابة ١٩ ألف جنيه)، بينما يباع السكر محليًا بنحو ٢٧–٣٠ جنيهًا للكيلو، وسعر طن المصنع بين ٢٢ و٢٣ ألف جنيه، مع تأكيد شركة السكر والصناعات التكاملية توافر احتياطي استراتيجي و«انتظام التوريد». ظاهريًا يبدو المشهد مطمئنًا: إنتاج وفير، مخزون مريح، وأسعار مستقرة نسبيًا. لكن جوهر الأزمة ليس في وجود السكر اليوم، بل في «من يحكم» هذا الملف غدًا.
الجهاز نفسه أصبح، خلال عام واحد، «المشتري الحكومي الرئيسي للحبوب» بعد نقل مسؤولية استيراد القمح من الهيئة العامة للسلع التموينية إليه، وهو ما رافقته – وفق تقارير «رويترز» – زيادة بنحو ١٠٪ في أسعار القمح المحلية واضطراب في السوق مع تغير طريقة الشراء.
الأخطر أن جهاز «مستقبل مصر» لا يعمل فقط كذراع إداري؛ بل كوسيط يقتطع عمولات ضخمة من فروق الأسعار. فوفق طلب الإحاطة الذي تقدم به النائب المستقل أحمد فرغلي، يستورد الجهاز طن القمح لصالح الدولة بنحو ٢٧٠ دولارًا بينما السعر العالمي قرابة ٢٤٠ دولارًا، بفارق ٣٠ دولارًا للطن؛ ومع استيراد حوالي ٥ ملايين طن سنويًا، يقترب «الهامش الصافي» من ١٥٠ مليون دولار، ويتكرر المشهد في زيوت الطعام بفارق ١٥٠ دولارًا للطن.
كل هذه الأرباح لا تمر عبر موازنة شفافة، ولا تخضع لرقابة برلمانية حقيقية، بينما يدير الجهازَ عقيد طيار في الجيش هو بهاء الدين محمد الغنام، وشقيقه أمين عام مجلس الشيوخ، وشقيقته نائبة في مجلس النواب؛ شبكة نفوذ عائلية تُغلق دائرة القرار والتشريع والمال على اسم واحد تقريبًا.
اقتصاد داخل الثكنة: ديون خانقة وقطاع خاص مخنوق
من زاوية الاقتصاد الكلي، ترى د. سالي صلاح أن ما يحدث في مصر ليس أزمة عابرة، بل «حلقة مميتة من الديون وبيع الأصول»، حيث قفز الدين الخارجي من نحو ١٥٥٫٩ مليار دولار نهاية ٢٠٢٤ إلى حوالي ١٦٨٫٤ مليار دولار نهاية ٢٠٢٥، مع تضخم خدمة الدين حتى تجاوزت ١٤٠٪ من إيرادات الدولة، في وقت تلجأ فيه الحكومة إلى بيع أراضٍ وموانئ ومشروعات استراتيجية لسد فجوات التمويل بدل إصلاح نمط الإدارة نفسه.
عندما يُسلَّم ملف السكر – كما القمح والزيوت – لجهاز عسكري يحتكر الاستيراد والتصدير ويحقق عمولات من فروق الأسعار، فإننا – وفق منطق صلاح – لا نعالج أزمة الغذاء، بل نحولها إلى أداة جديدة لاقتصاد الدَّين والنهب: سلعة أساسية تتحكم فيها مؤسسة واحدة، وتُستخدم فوائضها ليس لخفض الأسعار أو دعم الفقراء، بل لسد فجوات مالية خلقها سوء الإدارة أصلاً.
د. عالية المهدي، التي شددت مرارًا على ضرورة توسيع قاعدة الملكية وحماية الأصول الاستراتيجية من الوقوع بالكامل تحت سيطرة مستثمر واحد – سواء كان أجنبيًا أو جهة سيادية – ترى أن الطرح في البورصة وتفعيل دور القطاع الخاص المتنوع أقل ضررًا من البيع المباشر أو التركيز في يد جهة واحدة. وإذا كان هذا التحفظ يُقال في مواجهة استحواذ مستثمرين خليجيين على مشروعات مثل رأس الحكمة والجفيرة، فإن حصر استيراد السكر وتصديره في يد جهاز عسكري مغلق يذهب أبعد من ذلك: ليس فقط مستثمرًا واحدًا، بل «دولة داخل الدولة» لا تُحاسب ولا تُسأل.
من جانبه، يحذر د. محمد فؤاد – في تحليلاته للأزمة الاقتصادية – من تضخم دور الدولة وتدخلها المباشر في السوق، معتبرًا أن انكماش القطاع الخاص وتراجع الاستثمارات الإنتاجية نتيجة منطقية لهذا النهج، وأن الحل ليس في المزيد من الديون وصفقات بيع الأصول، بل في «تصحيح المسار» عبر تمكين القطاع الخاص ووقف توسع الكيانات السيادية في مجالات التجارة والإنتاج المدني. احتكار جهاز عسكري لسلعة مثل السكر يعني، بلغة فؤاد، ضربة جديدة للمنافسة، وإشارة سلبية لأي مستثمر جاد يفكر في دخول القطاع الغذائي وهو يعلم أن «المنافس الحقيقي» ليس شركة أخرى، بل مؤسسة تحمل رتبة عسكرية.
أما د. مراد علي فيضع إصبعه على جوهر المشكلة: ليست مجرد «صفقة سكر» أو «مشروع قمح»، بل منطق كامل لبناء «هرم واحد» يمسك بكل شيء. في أحد تعليقاته على توسع نفوذ الجيش الاقتصادي، يلخص الصورة بجملة مكثفة: «المشكلة سيطرة.. اقتصاد كامل بقى جوه الثكنة: استيراد، تصدير، ذهب،…»، محذرًا من أن أي حديث عن إصلاح أو جذب استثمار خارجي يصبح بلا معنى في ظل هذا التحول.
من أمن غذائي إلى أمن نظام: من يدفع الفاتورة في النهاية؟
السلطة تقدم احتكار السكر كإجراء «تنظيمي» لضبط السوق وامتصاص الفائض وحماية المنتج المحلي، لكن قراءة الخطوة في ضوء تحذيرات سالي صلاح وعالية المهدي ومحمد فؤاد ومراد علي تكشف وجهًا مختلفًا: توسيع متعمد لدور مؤسسة عسكرية تتحول تدريجيًا إلى «مستورد أوحد» و«موزع أوحد» لسلع تمس حياة ١٠٠ مليون مواطن، من الخبز إلى السكر إلى الزيوت.
حين تصبح لقمة العيش في يد كيان واحد، تُفتح أبواب واسعة للابتزاز السياسي والاقتصادي:
أي أزمة في تدبير النقد الأجنبي أو تعطل في سلاسل الإمداد العالمية ستُترجم مباشرة إلى نقص في سلعة لا يملك القطاع الخاص ولا الهيئات المدنية أدوات للتدخل فيها.
أي جدل حول عمولات، أو فساد، أو سوء إدارة، سيبقى حبيس الغرف المغلقة، لأن من يُسأل هنا ليس وزارة مدنية بل جهازًا عسكريًا محصَّنًا.
أي محاولة لمحاسبة هذا الجهاز ستصطدم بشبكة النفوذ التي تربط مديره بمواقع حساسة في البرلمان، حيث يُفترض أن توجد الرقابة أصلاً.
في النهاية، ما تحذر منه هذه الأصوات الاقتصادية الأربع يمكن تلخيصه في عبارة واحدة: كل خطوة إضافية تسلِّم ركائز الاقتصاد – الأرض، الموانئ، الطاقة، الغذاء – لمؤسسة عسكرية أو لمستثمر أجنبي بلا شفافية ولا مساءلة، تُقَرِّب مصر من نقطة يصبح فيها استرداد القرار الاقتصادي شبه مستحيل، حتى لو تغيّر رأس السلطة.
احتكار السكر ليس تفصيلة فنية في إدارة ملف زراعي، بل حلقة جديدة في مشروع أوسع: تحويل الاقتصاد المصري إلى شبكة مغلقة من الامتيازات العسكرية والصفقات السيادية، بينما يُترك المواطن وحيدًا يواجه موجات الغلاء، وديونًا تتضخم، ودولة تتصرف في خبزه وسكره كما لو كانا «أصلًا تجاريًا» لا حقًّا اجتماعيًا.

